إذا كانت الجرائم الإرهابية أكثر الجرائم المضرة بكيان الدولة وبمصالحها العليا، من الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، وتعريض سلامة المجتمع وأمنه للخطر، فإن جرائم الإنترنت ليست سوى واحدة من الجرائم المتعددة، التى تسيرها غاية المجرمين بطريق صفحات التواصل الاجتماعى بأنواعها المختلفة، لأن الغاية واحدة والتوجيه هدف واحد، هو التعدى على حق المجتمع فى مجموع أفراده، لأنهم أساس الدولة ومصدر سلطاتها، ومن ثم فإن الجرائم الإرهابية عقوبتها أشد من الجرائم الاقتصادية، لأن الأولى ضررها على الأمن القومى وسلامة منشآت الدولة الاقتصادية واستقرارها السياسى ضرر جسيم وجريمة أشد، والثانية قد أنزلها المشرع فى واقعة دعوى جنح جنائية ورصد لها العقوبة المناسبة، لكل من يدون على صفحته وينشر أخبار أو بيانات أو شائعات كاذبة وغير صحيحة، وإيهام الرأى العام على أنها حقيقة، خصوصًا إذا قصد الجانى وتعمد الإزعاج والمضايقة بالإساءة إلى أشخاص آخرين، بطريق سوء استخدامه لمواقع التواصل الاجتماعى «الفيسبوك»، ويرجع ذلك إلى نفسية الجانى وغرضه وسوء نيته، فى أن يختلق واقعة تستوجب احتقار المجنى عليه عند أهل وطنه، وتشكل جنحة السب والقذف والتشهير، أو إطلاق الشائعات والأكاذيب الباطلة، الغرض منها تعكير الصفو العام لإثارة الفتن بين جمهور الناس، ما يجعل حالة الوئام والتعايش السلمى بينهم محل إهدار، سواءً كانت بيئة التعايش قرية أو نجع أو شارع أو حى أو حتى بيئة زملاء مهنة المجنى عليه، وهى تكون حرفته أو وظيفته التى يعتمد عليها لكسب رزق عمله.
وتعتبر مواقع التواصل الاجتماعى، إحدى وسائل طرق النشر التى ترتكب بها جرائم السب والقذف العلانية فى إسناد ركنها المادى، لأنها هى الوسيلة الأكثر انتشارًا لحق الانسان فى التعبير عن رأيه، وهذا الحق ليس حقًا مُطْلَقَا، لأن الحرية المطلقة مفسدة مطلقة، ومن ثم فإن هناك حدودًا فاصلة بين حرية التعبير عن الرأى البناء للصالح العام، وبين إشاعة الفوضى ونشر الشائعات المفبركة، التى تمس الأمن القومى والرأى العام، وخطورتها على وحدة النسيج الوطنى والمجتمعى لأبناء الوطن الواحد، فى ظل وضع تعانى منه المنطقة من حروب وأزمات سياسية واقتصادية تهدد استقرار وكيان دول المنطقة، ونحن جزء من هذه المنطقة التى يتربص بها المتربصون، فى أمن وسلامة الوطن وأمن وسلامة المواطن فى نفسه، وقد أحسن المشرع صنعًا بسنه القوانين التى تحد من توغل هذه المواقع ومدى خطورتها على مصلحة الوطن وأمن الجماعة، وهذه هى السمة الرئيسية للجمهورية الجديدة التى يسمو فيها القانون، لحماية حقوق المواطنين وعدم الاعتداء على كرامتهم أو تعريض مراكزهم القانونية للخطر، وهذا التزام يقع على عاتق السلطة التشريعية بما يوجبه الدستور.
وقد يتوهم صاحب الحساب على الفضاء الإلكترونى، بأنه عندما ينشر الخبر المضلل فى السب والقذف والتشهير بسمعة الآخرين، سواءً كان تحدث قولًا أو كتابة بعبارات بدون ذكر أسماء المقذوف فى حقهم، بأنه سوف يفلت من العقاب بجرائمه من هذا التأثيم، وبذلك يصبح مطلق الحرية فى عدوانه على الآخرين، وتفسير هذا الفهم الخطأ للمتهم، لن يعفيه القاضى الجنائى من العقوبة المقررة قانونًا فى قانون العقوبات، وبالتالى فإن مجرد تقديم المجنى عليه بلاغه ضد المتهم إلى مباحث جرائم الإنترنت، بأنه الشخص المقصود الذى ناله الاعتداء على حقه فى الشرف والاعتبار، لأن هناك واقعة مؤثمة ارتكبها المتهم عبر حسابه الشخصى، ومن ثم لا يقتضى ذكر اسم المجنى عليه، وانما يكفى طرق وظروف أخرى للإثبات تتعين لقيام المتهم بجرائمه، ولولا طرق الإثبات لحدوث الواقعة فى الجرائم الاقتصادية، لأصبحت حياة الناس مهددة بالنشر بالسب والقذف والتشهير، ولأصبحت جرائم الإنترنت جريمة بلا عقاب، ولحماية المجتمع من الأضرار المادية لهذه المواقع اقتضت الشرعية الدستورية أن تفرض قيودًا وحدودًا لدرء هذا الخطر، حيث نصت المادة (٣١) من الدستور على أن «أمن الفضاء المعلوماتى جزء أساسى من منظومة الاقتصاد والأمن القومى، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليه، على النحو الذى ينظمه القانون».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض