تعيش مجتمعاتنا بين النوستالجيا وفوبيا المستقبل؛ في خاطرات المفكر الدكتور فتحي الشرقاوي أستاذ علم النفس بجامعة عين شمس تحدث عن الشخص الذي يعاني من النوستالجيا وعرّفها أنها حنينك إلى الماضي وأنك ترى ذكريات الماضي أجمل فترات عشتها، وخيالك يحنّ إليها؛ وبخبرة الحكيم نصح ذلك الشخص بأنه إذا كان عائشا فى هذه النوستالجيا دائما فإنه يعانى من مشكلة ونصحه أن يعرض نفسه فورا على متخصص.. ورحتُ أفكر في مجتمعاتنا التي تعاني من الداء نفسه، فالعربي يحن دائما لماضيه ويخاف من مستقبله ولا يحيا حاضره، هنا يتفلّت منه الحاضر لأنه لا يعيشه بل يحيا في أسْر ماضيه المُتخيَّل الذي صدّق أنه أجمل وأحلى ويتمنى لو عاد ذلك الماضي حيث كُنَّا وكُنَّا دون أن نرى إيجابيات عصرنا الحاضر والأعجب أنه يتغافل عمدا أو دون قصد عن ماَسي ذلك الماضي تاريخيا، ومن عجب أن بعض الشباب يتمنون أن يغيّروا حاضرهم ليصبح ذلك الماضي المتخيَّل، ويقيسون أحداث حاضرهم بأحداث ماضيهم ولا ينتقون من أحداثه إلا ما يوافق أهواءهم ونوستالجيتهم وهنا مكمن الخطورة فهم يحذفون من عيونهم الوجه الآخر أو الوجوه الأخرى لما في هذا الماضي من أحداث دامية وتعارك بينهم ودماء مبعثرة هنا وهناك، لذا يجب أن ننظر إلى واقعنا الحالي أكثر من الشوق إلى الماضي المتخيل والأدهى هو الخوف من المستقبل ولذلك آمل أن تعي حكوماتنا العربية ما لدى بعض شبابنا من نوستالجيا مَرَضية وأن نفكر معا كيف نُخرجهم منها ليروا حاضرهم ويبنوا بلدانهم ويعيشٍوا حاضرهم ويعمٍلوا على بناء وطنهم. مجتمعاتنا في حاجة إلى التخلص من عَمَى الحُكم على الماضي والحنين إليه ومحاولة استرجاعه وفرْضه على الواقع، وكيف يرجع الماضي وقد مضى وكيف نعيده في الحاضر، فكل شيء قد تغيّر، ومعطيات العصر والواقع غير ما مضى ولذا فالاستحالة واقعة لا محالة والقطيعة مع الحاضر والمستقبل آتية وهذا سيقضي إلى عدم رؤية الواقع، فكيف نعيش في واقع معيش لا نراه؟. مجتمعاتنا فى حالة انفصام مع الحاضر.. هذه الهوّة في حاجة إلى إصلاح وإلا فإن الدكتور فتحي الشرقاوي ينبغي عليه فتح عيادات في كل شارع ببلداننا.
- مختتم الكلام
قال نزار قباني:
"وليس جديدا علينا اغتيالُ الصحابةِ والأولياءْ
فكم من رسولٍ قتلْنا ..وكم من إمامٍ ذبحناهُ وهو يصلى صلاةَ العشاءْ ..
فتاريخنا كله محنة، وأيامنا كلها كربلاءْ"
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض