فى ظل ما تعيشه الأمة من شدائد ومحن وتهديدات
ماذا نأخذ من الحج لاستقبال العام الهجرى الجديد؟
فى خضم هذا العصر الذى يموج بالتحديات، وما تعيشه الأمة من شدائد ومحن وتهديدات، كان من المهم أن ينهض العقل المفكر فيها ليرسم لها خطوات من نور لخارطةِ طريقٍ تصل بها إلى شاطئ السلامة وتحفظ لها هُويتها وخصوصيتها فى عصر تذوب فيه الشعوب فى مطحنة العولمة وما بعدها والحداثة وما بعدها وتكنولوجيا الجيل الرابع وما بعده.. ولأن العبادات فى الإسلام ليس مقصود منها القيام بأعمال «الديانة» فحسب، إنما يُقصد منها أيضا منظومة القيم وبناء المجتمعات وصناعة الحضارة، فوجدت أنه من المهم أن نقف بشىء من التأمل العميق فى فقهِ الفقهِ لعبادةٍ مثل عبادة الحج، والتى شُرع القيام بها فى ختام العام، ويعقب الانتهاء منها عامٌ جديد محفوفٌ بالآمال.. فوجدت أن أطرح سؤالاً < فى خضم ما ذكرناه عن واقعنا فى العالم المعيش، ألا وهو: ماذا نأخذ من الحج لاستقبال العام الهجرى الجديد؟
- والإجابة على هذا السؤال تقتضى الوقوف مع الحِكمة من كونِ الحج أحد أهم شعائرِ الإسلامِ التى تُؤدى فى آخر العام، بعد أن خُصَّ رمضانُ بالصيامِ وبقيةُ الشهورِ بالصلاةِ والزكاة.
وبلا شك فإن الحِكَمَ من كونِ الحج ختام شعائر العام وفى الأيام الأخيرة منه كثيرة نذكر منها:
1- أن شعائر الإسلام منذ أن يُعلن الإنسان إسلامه تصنع دوائر من بناء اللحمة للجسد المسلم، وتأصيل فقه التعارف بين أبنائه، وبث روح الوحدة والاتحاد والتعاون والإخاء، حيث نجد البداية من الصلوات الخمس فى المساجد والزوايا ليتعارف أبناء الشارع الواحد والمنطقة المحيطة بالمسجد فيما بينهم، لتبرز فلسفة حق المسلم على المسلم، بداية من السؤال ووصولا إلى المساندة بالنفس والمال، ثم تتسع هذه الدائرة لتشمل أبناء البلدة الواحدة فى «صلاة الجمعة» والتى تُصلى فى المسجد الجامع، لتتسع دائرة المحبة والتآزر والاعتزاز بالإسلام بين أتباعه، ثم شرعت صلاة العيدين فى الخلاء فتخرج البلدة جمعاء من كل الأحياء ليشهدوا فرحة العيد وتزداد أواصر القرب والتعارف، وتتجلى عظمة الإسلام فى تلك اللحظات مع صيحات التحميد والتهليل والتكبير، وفى هذا من الجلال والاعتزاز بالإسلام الكثير والكثير،
2- وكون الحج ختام الشعائر: لأنه جامع لكل مكونات الشعائر الأخرى، فتكبيرة الإحرام فى كل صلاة يقابلها منسك الإحرام بالحج، وما يتولد عنه من واجبات والتزامات، كما أن الحج يشمل العبادة المالية كشعيرة الزكاة، فهو تكليف مالي، حيث جعل من مكوناته الاستطاعة حتى يقوم الرجل بالشعيرة، كما أن الصيام حاضر بقوة فى الحج، بل واتسع مفهوم الصيام فى فقه الامتناع عن الحرام أثناء الحج إلى الامتناع عن الحرام والكثير من الحلال تهذيبا للنفس وقربة للربِّ.
3- أن الحج جعل فى نهاية العام: لكونه المؤتمر العام لأمة الإسلام، حيث يجتمع العمال والحكام وأرباب العلم والحل والعقد من كل البلدان لترسم للأمة بعد المحاسبة والتقييم والمشاورة خريطة عام جديد، تتحد فيه الرؤى، وتتوحد فيه التوجهات، لمواجهة النوازل والمخاطر والتحديات، لتنطلق وفودُ الحجيج عائدةً لبلدانها وقد حملت من التوجيهات والتعليمات والأوامر والنواهى ما ينصلح به حال المسلمين فى العام الجديد، وهذا لن يتحقق إلا فى شعيرة الحج، لتشعبِ الحجيج وإتيانهم من كل فج عميق.
4- أن الحج شُرع متأخرا عن أركان الإسلام الأخرى، حيث شرع بعد العام الثامن على الصحيح، أى بعد فرض الصلاة والصيام والزكاة، فناسب أن يكون الحج آخر شعيرة من حيث الأداءُ، كما كان آخرَ شعيرة من حيث الفرضيةُ.
وأما عن ماذا نأخذ من الحج لاستقبال العام الهجرى الجديد؟ فإننا نقسم الإجابة إلى قسمين، القسم الأول: ماذا تأخذ الأمة كمجموع، والقسم الثانى: ماذا يأخذ الأفراد.
< ماذا تأخذ الأمة من الحج لاستقبال العام الهجرى الجديد؟
- يمكن أن نجمل ما تأخذه الأمة من الحج لاستقبال العام الهجرى الجديد فيما يأتى:
العلم والمعرفة:
من أهم القيم الجليلة التى يجب أن نأخذها من الحج لنتسلح بها فى العام الهجرى الجديد قيمة العلم، فهذه الأمة لن تنهض إلا بعلم يرفع ووعى يجمع وعمل يدفع، وأنها تحتاج إلى علم وسِلم وحِلم، علمٌ نضع به أساس البنيان، وسِلم حتى ينمو ويتراكم، وحِلم حتى إذا اختلفنا لا نهدم ما بنيناه، والمتأمل فى الحج يجده مدرسة لصناعة الإنسان الحليم البعيد عن الرفث والفسوق والحقد والشحناء والمستمسك بالعفو والتسامح والحلم والعطاء، كما أنه مدرسة كبرى لصناعة السلم بمفهومه الواسع ليشمل بسلام مع النفس والإنسان والخلق وكل الأكوان، أما عن العلم وهى القيمة العظمى التى نُصدرها كسلاح يؤخذ من الحج للعام الجديد عسانا أن نعيد بناء مجدنا التليد وننهض من ثباتنا العميق ونعود بالأمة إلى سبقها العلمى والمعرفى وريادتها الحضارية.
- الوحدة والاتحاد:
من أهم تجليات الحج ذلك المشهد العجيب المهيب حيث يُجمع الملايين فى صعيد واحد، ورغم اختلاف أجناسهم وألوانهم وألسنتهم إلا أنهم توحدوا حتى فى الثياب ولونه، والكلام ومقاصده، بل فى المقاصد والغايات، وقد انصهروا فى جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له باقى الجسد بالسهر والحمى، وفى هذا رسالة أمل وتوبيخ فى نفس الوقت، رسالة أمل بأننا قادرون على التجمع والاتحاد كأمة واحدة، وأننا كما اجتمعنا بهذا الشكل على كلمة التوحيد لهو أدعى لنجتمع على وحدة الكلمة، ورسالة توبيخ لكل من ينفث فينا اليأس والاستسلام والتفرق والتشرذم.
فلنأخذ من الحج قيمة التجمع والاتحاد ونترك التفرق والتشرزم والاختلاف، حتى نصبح أمة مُهابةَ الأركانِ قادرة على حماية مصالحها بين الأنام، وحافظة لثرواتها من الطامعين، ومتعاونة ومتكاملة ومتحدة على كلمة واحدة، ولنُعِدْ رَبْطَ حِزمةِ أمتنا لينضم العودُ إلى العود، فتشتد الربطة ويقوى الجسد ويُحمى الظهرُ.
- المساواة والعدالة:
الأمم تعيش فى أمن وسكينة وسلام اجتماعى مادام أفرادها يتمتعون بحقوق متساوية، حيث لا تفرقة ولا عنصرية، فالكل سواء أمام القانون، ويتمتعون بنفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات بدون تفرقة تحت أى مسمى أو مقصد، لذلك جاء الحج كشعيرة عظمى للإسلام لترسم المعنى الأسمى للمساواة والعدالة الإنسانية، فنحن نجد الحجيج أبيضهم وأسودهم أحمرهم وأصفرهم جميعا على قدم المساواة، فلا مفاضلة فى ثياب أو خطاب أو جنس أو نوع أو لون أو جاه أو سلطان، فتجد الحاكم بجوار المحكوم، والغنى بجوار الفقير، والقوى بجوار الضعيف، والرجل بجوار المرأة، والشاب بجوار الكهل والشيخ، الكل سواسية أمام قانون السماء فى الثواب والجزاء، لا فرق إلا بمعيار الإسلام الوحيد للمفاضلة وهو التقوى
فياليت مجتمعاتنا العربية والإسلامية تعمل جاهدة على تأصيل قيم المساواة وما تشمله من معانى العدالة بين أفراد شعوبها جاعلة من الكفاءة والمصلحة العامة أساس الاختيار، حيث لا تميز ولا فئوية ولا خصصة ولا محسوبية.
الإنسانية والرحمة:
يُعد الحجُّ مدرسةً عُظمى لمعانى الإنسانية الرفيعة حيث مشاهد الإخاء الإنسانى والرحمة بين كل البشر، فإذا كان علماء الإنسان فى الوقت الحاضر يقسمون البشر إلى ثلاثة أصناف من حيث لونُ البشرة: أصحاب البشرة البيضاء، وأصحاب البشرة الصفراء، وأصحاب البشرة السوداء، فإن الحج لا يعرف هذه التفرقة، فالكل إنسان، فتجده قد تسامى عن الفروق الخِلقية والتاريخ العنصرى وجعلهم جميعا كأسنان المشط لا فرق لعربى على عجمى ولا لأبيض على أسود ولا لأحمر على أصفر.
القوة والعزة:
الحج مدرسة كبرى تنفث فى الأمة معانى العزة ومقومات القوة، إن هذا المشهد المهيب من الحجيج لهو جدير أن يُعيد القوة لجسد الأمة، فهى قد تمرض ولكنها لا تموت، وقد تترنح ولكنها لا تسقط، وقد تغفو إلا أنها لا تنام فى ثبات عميق يُخرجها عن طور الحياة بالكلية، إن الأمة التى تَجمع فى صعيد عرفات ما يقرب من أربع ملايين لهى جديرة بالعزة والقوة،
فرسالة الحج لكم يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم: كونوا أقوياء، كونوا أعزاء، وتسلحوا بأسباب القوة والعزة، خاصة وأن لديكم كل أسباب القوة من ثروة بشرية وثروات تعدينية وموقع فريد وتنوع مناخى... وعليه: فكلما أصابكم الخوار والانكسار تذكروا هذه المشاهد لتنفث فيكم القوة والعزة والفخار.
- الأمل الفسيح والعمل الصحيح:
إذا كانت هناك أسلحةُ مادية فتاكة تُدمر وتَقتل فإن هناك أسلحة أخرى نفسية قد تكون أشد ضراوة على قوة الدولة وتقدمها بل وبقائها واستمرارها، ويأتى على رأس هذه الأسلحة نشر اليأس فى النفوس.. مما يتولد عنه الإحباط والتشاؤم والانهزام الداخلى وفقدان الثقة فى الذات مما يُثبّط الهمم، ويُقعِد عن العمل، وينشر السلبية واللامبالاة ويُبرّر الخضوع والخنوع والهمود، ويُفسِد مع الحاضر المستقبل، ولأن الأمم اليائسة هى الأمم البائسة، ولأن نشر اليأس من أهم الأسلحة التى يَبُثُّها أعداؤنا بين صفوفنا لينفرط العِقد وتتفرق الصفوف وتسقط الثغور، لذلك وجدنا أن أهم ما نتعلمه من شعيرة الحج: هو الأمل وعدم اليأس،
وهذا ما يجب أن نأخذه من الحج لاستقبال العام الهجرى الجديد، أن نتسلح بالأملِ وأن نعلم بأن للأمل ركائز يُجمع فيها بين الأمل الفسيح والعمل الصحيح، وهذه الركائز هى: الإيمان، والعلم، والعمل، والإخلاص، والصبر.
وأخيرًا نؤكد أن صناعة الأمل مقرونة بفقه السفينة، ذلك الفقه الذى يحفظ على البنيان قوتَه وتماسكه، ويجدل السواعد فى حبل متين يحفظ للسفينة نجاتَها عند ارتفاع الأمواج وغياب البوصلة وظلمة الليل.
صناعة القدوة وتقديرها:
يجب أن نتعلم من الحج للعام الهجرى الجديد فنَّ صناعة القدوة والنمذجة، فشعيرة الحج فى جملتها هى نمذجة لبيتٍ صالح هو بيت سيدنا إبراهيم، فيجب أن نجعل لوحة شرف الأمة للنجباء ممن يضحون ويبنون ويعمرون.
فياليت الأمة الآن وهى تتعرض لحرب ضروس لاقتلاعها من جذورها من خلال ضرب هُويتها ورموزها وتسفيهه الجمال فيها، وجعل القبح نموذجا أن تفيق فتقدم من يستحق التقديم وتؤخر من يستحق التأخير، وتصنع مقاما للعلماء العاملين والقادة المصلحين والمفكرين المبدعين، والشرفاء العاملين.
- الاستثمار فى القيم وتقوية الوازع الدينى:
الحج مدرسة حقيقة لتأصيل القيم وبناء الإنسان وجدانيا وصناعة الضمير، فيجب على الأمة أن تستثمر فى القيم وتجعل من الانفلات الأخلاقى مهددا لأمنها القومى، وأن الاستثمار فى القيم هو استثمار فى الحياة، فبناء الأمم ببناء القيم، فيجب كأمة أن نأخذ من الحج فقه الحياء والإحياء والتواضع والتعاون والتضحية والفداء، إذا استثمرنا فى هذا الجانب نكون قد استثمرنا للمستقبل أفضل استقبال.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض