على فكرة
من نوادر «جحا» الملهمة أنه قد صحا ذات صباح من نومه ليجد اللصوص قد سطوا على بيته. فلما سمع أهل بلدته بخبر السرقة، أخذوا يعنفونه ويسخرون منه، ويتهمونه بالتقصير، ويقولون له كيف يسرق دارك وانت نائم ولا تستيقظ؟وهل كان نوما أو موتا ما كنت فيه؟ وإذا كنت لم تسمع اللصوص فكيف لم تسمع زوجتك بهم هى الأخرى؟ ولماذا لم تضع قفلا متينا يحمى البيت؟ ولو كنت قد اقتنيت كلبا عفيا، لما تمكن اللصوص من الاقتراب من باب الدار!
ظل جحا ينصت بصبر لحملة اللوم والسخرية، لكى يصوغ نادرته ويكشف المفارقات التى ينطوى عليها سلوك أهل البلدة. فهم لم يفتح أحد منهم فمه باقتراح لملاحقة اللصوص أو المساعدة فى إعادة المسروقات، فاستدعى جحا سخريته الهازلة وخاطبهم قائلا: إنكم أهل إنصاف حقا، لقد أشبعتمونى تعنيفا وتقريعا وما رأيت أحدا منكم ذكر اللصوص بكلمة سوء. فهل أنا الجانى الأثيم وهم الأبرياء الشرفاء؟!
تذكرت طرفة جحا وأنا أتابع بأسى الحملة الهستيرية على وسائل التواصل الاجتماعى من بعض الملاك ضد سكان الإيجار القديم وضد نواب وكتاب وإعلاميين عزّ على ضمائرهم تحمل المهانة التى باتت تلحق بالسكان فى الإيجارات القديمة، بعد أن وافقت لجنة الإسكان بمجلس النواب بالمخالفة لحكم المحكمة الدستورية، على مشروع قانون الحكومة،على تحرير العلاقة الإيجارية، مع فارق جوهرى يحسب لجحا ذكاءه وظرفه وللحملة الجديدة وحشيتها وفجرها .
فقائدو الحملة يختلقون أسبابا مزيفة لتمرير هذا العدوان السافر على نحو ثلث الشعب المصرى، حيث يمنح المشروع، فترة انتقالية سبع سنوات للشقق المؤجرة وخمسًا للأماكن المؤجرة لغير السكن، قبل انتهاء العقود وتسليم الشقق للملاك . هذا فضلا عن زيادة فى القيمة الإيجارية، التى تتفاوت قيمتها من منطقة لأخرى، و هم يصورن ذلك وكأنه منحة، منوا بها على السكان،ليصبح ذلك شبيها بإنصاف بلدة جحا، جعجعة بلا طحن.
يحدث هذا والأوضاع الاقتصادية فى البلاد غاية فى التدهور والسوء، والمخاطر التى تحيق بالأمن القومى أكثر من أن تحصى، والحكومة اخترعت لنا وزارة للتواصل السياسى، فأغلقت سبله بالبضبة والمفتاح، فماذا يا ترى كان سيحدث لو أن أوضاع الاقتصاد سليمة، وإداراته لمختلف شئون البلاد والعباد تتسم بالرشد؟!
لم يرفض السكان فى أى وقت رفع القيمة الإيجارية، وبعضهم فعل ذلك بالتراضى بينه وبين المالك، لكى يعيشوا مستورين مع أبنائهم داخل جدران بيوتهم. وصدور مشروع القانون الذى يشبه اللعب بقنبلة حارقة، تلقى بها الحكومة فى وجه المجتمع، قبل انتهاء الفصل التشريعى الراهن لمجلس النواب بعد بضعة أسابيع، يؤكد أن السلطة التنفيذية تستأسد على حقوق الفقراء بسلطة التشريع، بينما تبقى يدها مغلولة فى مواجهة نفوذ طبقة طفيلية من الأثرياء والمحتكرين، الذين يتربع معظمهم على قمة السلم الاجتماعى، برغم الطرق غير المشروعة التى سلكوها، داخل أروقة الحكم وخارجه، لنهب المال العام وتكديس ثرواتهم على حساب مصالح جموع المواطنين، وفى تعارض تام مع مصالح الدولة والوطن.
لن تفلح الأصوات غير المحايدة داخل الحكومة والبرلمان وخارجهما بالتقليل من الأزمة التى تضرب بجذورها فى صميم الأمن الاجتماعى فى حال صدر هذا القانون. والطرق التى تسلكها لتمرير القانون باتت مفضوحة لا تخجل من تزوير الحقائق والإحصاءات، ومن القراءة الفاسدة والمغرضة لنصوص الدستور، ومن تشويه حكم المحكمة الدستورية لصالح المحتكرين العقاريين وعتاة الملاك والمستثمرين، الذين يسيطرون على عضوية لجنة الإسكان فى مجلس النواب.
وكانوا هم أنفسهم من أعدوا مشروع هذا القانون قبل عدة أشهر فيما عرف إعلاميا بالوثيقة القانونية للمؤجرين، وانطوت على نفس النصوص الرامية لرفع القيمة الإيجارية وإنهاء العلاقة التعاقدية بما يفضى إلى طرد السكان من منازلهم.
وإذا كان الدستور ينص على أن الملكية الخاصة مصونة، وحق الإرث فيها مكفول، فهو ينص كذلك العدالة الاجتماعية والتكافل الاجتماعى بما يضمن الحياة الكريمة لجميع المواطنين .كما ينص على تحفيز القطاع الخاص للقيام بمسئوليته الاجتماعية لخدمة الاقتصاد الوطنى والمجتمع. كما أن العهود والمواثيق الدولية التى وقعت عليها مصر، تكفل لكل شخص الحق فى مستوى معيشى لائق يضمن له ولأسرته الحق فى السكن و الصحة والعيش بكرامة.
كل آمال السكان باتت معلقة على مفاجأة عادلة يلهم بها الله الحكومة ذكاء جحا، لتدرك أن الملاك ليسوا أبرياء والسكان ليسوا جناة، فتسحب هذا المشروع، أو أن يرفض رئيس الجمهورية التوقيع عليه فى حال صدوره، فلا تخذلهم يا سيادة الرئيس.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض