ذكرياتى (٦)
من ذكرياتى فى معهد ببا الإعدادى الثانوى بمحافظة بنى سويف والذى يبعد عن قريتى نحو عشرة كيلو مترات، حيث كنت أذهب إليه مبكرا، فإن لم أكن أول طالب يحضر إلى المعهد أكن من أوائل الحاضرين، ولا أنصرف قبل نهاية الحصة الأخيرة على الرغم من توقف المواصلات من المدينة إلى القرية آنذاك أحيانا قبل نهاية اليوم الدراسى، مما كان يضطرنا للعودة إلى قريتنا مشيا على الأقدام، وهو ما حدث معى فى الصف الأول الإعدادى سبع مرات، وأحياناً كنا نأخذ المطر فوق رءوسنا فى طريق عودتنا مشيا إلى القرية، وكنت والحمد لله الأول على صفى وفرقتى الدراسية طوال فترة الدراسة بالمعهد فى المرحلة الإعدادية كما كنت الأول على الشعبة الأدبية بالمعهد من الصف الأول حتى الرابع الثانوى، وكان تفوقى ملحوظا جدا وبخاصة فى النحو والمواريث، وتم اختيارى فى المرحلة الثانوية الطالب المثالى بالمعهد، وهى المرة الوحيدة التى تم فيها تكريم الطالب المثالى طوال فترة دراستى به، وكان شيخ المعهد آنذاك هو فضيلة الشيخ محمود موسى -رحمه الله- وكان عالما مهابا فاصطحبنى إلى جمعية تنمية المجتمع المحلى ببا للتكريم وتسلم الجائزة، وفى الطريق قال لى كلمات مشجعة، فقلت له: نعمل ما علينا والباقى على الله، فقال لى: ثق أنك إذا أديت ما عليك فإن الله أكرم من أن يضيعه بل يضاعفه، فكان لهذه الكلمات أثر بالغ فى جميع مراحلى حياتى إلى يومنا هذا.
وأذكر فى يوم ما ونحن فى الصف الثانى الإعدادى كثر همس الطلاب وضجيجهم، وكان ذلك فى حصة العلوم، فأراد مدرس المادة الأستاذ جمال كمال عبدالسلام ابن عزبة نزلة الشريف معاقبة الجميع فسأل سؤالا بالغ الصعوبة (تحديا حتى لا يجيبه أحد فيعاقب الجميع)، ولم يجب أحد، فقال: ليقف جميع الطلاب، وأخذ يضرب كل طالب عصاتين حتى وصل عندى فقال لى: اجلس يا محمد دون أن يضربنى تقديرا لالتزامى وتفوقى، فكان لعدم ضربه لى بالغ الأثر فى اهتمامى الزائد بالعلم والحرص التمكن الشديد من مادته لأكون عند حسن ظنه بى.
ومن المواقف بالغة الصعوبة فى هذه المرحلة أنى ليلة امتحان الثانوية الأزهرية كنت أذاكر بالخلاء، وبعد صلاة المغرب فى طريق عودتى للمنزل انزلقت قدمى فانكسر ذراعى الأيمن فى منطقة العضد، ونقلت للمستشفى العام بمدينة ببا لعمل الجبيرة المطلوبة التى حالت بالطبع بينى وبين القدرة على الكتابة، وكان دخولى الامتحان يتطلب ثلاثة أمور يجب أن تتم قبل بداية الامتحان الذى كان قد بقى عليه ساعات، الأول: اثبات من المستشفى بالإصابة وأنها تحول دون كتابة الامتحان، وكان الموظف المختص فى يوم عطلته (الجمعة) ولم يكن من المدينة نفسها بل كان من إحدى قراها، والأمر الثانى تدبير كاتب بمعرفتنا لا يزيد قيده الدراسى عن المرحلة الإعدادية، وهنا أذكر بالفضل الأستاذ أحمد شحاته عبدالجليل الذى كان بالصف الثانى الإعدادى حينها تقريبا، ولم يتأخر أو يتردد لحظة فى الحضور معى يوميا من القرية للمدينة متطوعا أسأل الله أن يبارك فى حياته وصحته وأولاده وأن يجزيه عنى خير الجزاء، والأمر الثالث وقد تم قبيل الفجر من ليلة الامتحان وهو الحصول على إثبات من المدرسة المقيد به الأستاذ حاليا الطالب آنذاك أحمد شحاته عبدالجليل، فبت ليلة بالغة الصعوبة بين ألم الكسر وخوف فوات الامتحان، وبما أن الله عز وجل لا يضيع عمل من اجتهد توّج ذلك بتيسير كل هذه الأمور وبأن أكون الأول على الشعبة الأدبية بالمعهد، وأن أحصل على المجموع الذى يتيح لى دخول جميع كليات الشعبة الأدبية.
وللحديث بقية.
وزير الأوقاف السابق
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض