الحق في العلاج ليس رفاهية، بل ضرورة وكرامة، وحين يتحول المرض إلى عبء اقتصادي واجتماعي ونفسي، تكون الدولة قد قصرت في أبسط واجباتها.
فالمريض يقف في مفترق طرق مؤلم، بين مطرقة مستشفيات خاصة ترى فيه مجرد "زبون"، وسندان مستشفيات حكومية ترزح تحت وطأة الإهمال والبيروقراطية ونقص الموارد، والنتيجة فى النهاية حياة مريض أو صحته التي تصبح رهينة لنظام صحي لا يرحم، يتجاهل الحق الإنساني في علاج كريم، دون معاناة لا تنتهي.
والحال في المستشفيات الحكومية لا يسر فالمريض يصطدم بسلسلة لا تنتهي من العقبات ما بين طوابير انتظار طويلة لمجرد الحصول على كشف أو عمل تحليل أو أشعة، أو علاج، فضلاً عن التعامل غير إنساني أحيانًا من بعض الطواقم المرهقة والمنهكة، والأجهزة حدث ولا حرج، قليلة ومتهالكة والعيادات مزدحمة تفتقر للخصوصية، والنقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، ما يدفع المريض للشراء من الخارج.
أما من يلجأ إلى القطاع الخاص، فيجد نفسه أمام كابوس من نوع آخر حيث أسعار خيالية للكشوفات والعمليات، لا تتناسب مع دخل المواطن العادي، والاستغلال واضح لحالة المريض عبر فحوصات باهظة غير ضرورية أحيانًا، وفواتير ضخمة قد تدفع الأسرة للاقتراض أو بيع ممتلكاتها.
فكم من مريض توفي لأنه لم يجد سريرًا في عناية مركزة بمستشفى؟ وكم من فقير عجز عن إجراء عملية عاجلة بسبب تكلفتها في مستشفى خاص؟ وربما الأدهى، كم من الحالات اضطرت إلى علاج بديل بالأعشاب أو تجاهل العلاج تمامًا؟
لابد من إصلاح جذري للقطاع الصحي الحكومي، برفع ميزانيته بشكل حقيقي، وتطوير البنية التحتية للمستشفيات، وتحسين أجور الكوادر الطبية وتدريبهم بشكل مستمر مع تطبيق رقابة صارمة على جودة الخدمات المقدمة.
أيضاً لابد من تنظيم أسعار القطاع الخاص، بفرض تسعيرة استرشادية للخدمات الطبية، ومراقبة الأداء لمنع الاستغلال.
نريد نظاماً تأمينياً شاملاً يخدم المريض أولًا، ويوسع مظلته لتشمل أكبر شريحة ممكنة من المواطنين، وتقوية دور وحدات الرعاية الأولية والمراكز الصحية لتخفيف الضغط على المستشفيات، مع نشر الوعي الصحي لتقليل نسب الإصابة بالأمراض المزمنة، وعلى المسىٔولين التعامل بجدية مع شكاوى المرضى ومحاسبة المقصرين.
لابد من إصلاح حقيقي، لا مسكنات مؤقتة، إصلاح يضع الإنسان في قلب المنظومة الصحية، لا على هامشها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض