رداً على دعاوى جوتز «التضحية» بالدجاج والطيور
علماء الأزهر يفندون شبهات «الهلالى»: تخالف الشرع
تحولت شعيرة الأضحية فى السنوات الأخيرة إلى ساحة جدل متشعب، تتقاطع فيها الأصوات الدينية والبيئية والسياسية. ففى الوقت الذى يرى فيه البعض أن الذبح نفسه ممارسة يجب تجاوزها لأسباب أخلاقية، يطالب آخرون بإلغاء الأضحية الفردية لصالح أضحية رمزية باسم الدولة، فيما يتجه فريق ثالث إلى تشويه جوهر الشعيرة، بتقديم طقوس بديلة لا تمت لبهائم الأنعام بصلة، كأنهم يفرغون الشعيرة من مضمونها تحت شعارات التحديث والرحمة والبيئة.
تجدد الجدل مؤخراً بعد أن دعا الدكتور سعد الدين الهلالى، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، إلى جواز التضحية بالدجاج والطيور، وهى دعوة سبق أن أثارها عام 2015، لكنها عادت اليوم فى سياق اقتصادى ضاغط، ما جعل البعض يرى فيها محاولة للتخفيف عن كأهل الدولة أكثر من كونها اجتهاداً فقهياً خالصاً، بالإضافة إلى تصريحه الأخير بجواز أن يضحى الرئيس أو الملك عن الشعب كله حفاظاً على الثروة الحيوانية، مما يغير شكلة الأضحية نهائياً.
هل تصح الأضحية من الدجاج؟!
رغم كل الجدالات السابقة يبقى الثابت فى الفقه الإسلامى أن الأضحية شعيرة مخصوصة تؤدى فى أيام النحر تقرباً إلى الله، وفق شروط ومعايير محددة أقرها الفقهاء عبر القرون، وهى أخص من القربان، فليس كل ما يتقرب به إلى الله يعد أضحية، مما يجعل النقاش الحالى منصباً بدقة على حدود هذه الشعيرة لا على مفهوم القربان العام.
وعلى هذا أكدت دار الإفتاء المصرية أن الفقهاء اتفقوا على أن الأضحية لا تكون إلا من بهيمة الأنعام، وهى تشمل: الإبل بأنواعها، والبقر والجواميس الأهلية، وكذلك الغنم سواء من الضأن أو المعز، ويجزئ من كل هذه الأصناف الذكور والإناث.
وأوضحت الدار أن من ذبح غير هذه الأنواع بنية الأضحية – كأن يذبح دابة أو طائراً مثل الدجاج أو الديك – فلا تقبل منه ولا تصح تضحيته، مستشهدة بقول الله تعالى: «ولكل أمة جعلنا منسكاً ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام» «الحج: 34».
وأضافت الدار أن السنة النبوية لم تذكر أن النبى صلى الله عليه وسلم أو أحداً من صحابته ضحى بغير الأنعام، ما يؤكد أن الذبح من غيرها لا يحقق مقصود الأضحية الشرعى.
بين الطيور وبهيمة الأنعام

وكان الدكتور سعد الدين الهلالى قد صرح بأن الأضحية ليست مقصورة على بهيمة الأنعام فقط، بل يمكن أن تكون بأى طائر مذبوح يؤكل، مثل الفرخة أو الديك، مستنداً فى ذلك إلى قوله تعالى: «وفديناه بذبح عظيم»، مؤكداً أن الآية لم تقيد الذبح بنوع معين من الأنعام.
وأوضح أن دار الإفتاء المصرية اعتمدت فى فتواها على آراء الأئمة الأربعة: أبوحنيفة ومالك والشافعى وأحمد، متجأهلة رأى المذهب الظاهرى الذى يجيز الأضحية بكل ما يذبح ويؤكل.
واستشهد «الهلالى» برواية عن الصحابى بلال بن رباح أنه ضحى بديك، حيث نقل عن سويد بن غفلة قوله: «سمعت بلالاً يقول: ما أبالى لو ضحيت بديك، ولأن أتصدق بثمنها على يتيم أو مغبر أحب إلى من أن أضحى بها».
وأشار إلى أن الخلاف الفقهى فى هذه المسألة لا يبرر الإنكار، فطالما وجد اختلاف بين العلماء، فلا يعد الرأى الآخر باطلاً أو مرفوضاً.

ولكن من جانبه رد الدكتور على جمعة، مفتى الجمهورية السابق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، موضحاً الأحكام الشرعية المرتبطة بالأضحية، موضحاً أن الذبح لا يكون إلا من بهيمة الأنعام، وهى الخراف، والماعز، والبقر، والإبل، بمختلف أنواعها، وهذه الأنواع هى التى اتفق عليها جمهور العلماء بأنها محل الأضحية الشرعية، وبهذا لا تجوز التضحية بالدجاج أو النعام، حتى وإن وردت بعض الآثار عن الصحابة.
وأوضح أن الأضحية من السنن المؤكدة، وأنها تدخل ضمن «سنن الكفاية»، أى أن ذبح أضحية واحدة من أهل بيت واحد يكفى عن الجميع، على غرار من يدخل فيسلم على جماعة، فيكفى أن يرد عليه واحد.

من جانبه، رفض الدكتور محمد الشحات الجندى، عضو مجمع البحوث الإسلامية، ما أثير حول جواز ذبح الطيور كأضحية، مؤكداً أن هذا الرأى لا يستند إلى نص صريح فى القرآن أو السنة. وأوضح أن الشريعة الإسلامية حددت أصناف الأنعام — كالإبل والبقر والغنم — لتكون وسيلة للأغنياء لتوزيع اللحوم على الفقراء، محذراً من أن فتح باب الأضحية بالطيور قد يحرم المحتاجين من هذه المنفعة الشرعية.
وأضاف «الجندى» أن الحديث عن ذبح الطيور كأضحية للفقراء ليس حكيماً، لأنه يتعارض مع المقصد الشرعى من الأضحية، والذى يتمثل فى تضحية القادر وتوزيع اللحم على غير القادر.
أما حول ما أثاره سعد الدين الهلالى عن تضحية رئيس الجمهورية أو الملك نيابة عن جميع الشعب، قال الدكتور عطية لاشين أستاذ الفقة المقارن بجامعة الأزهر، وعضو لجنة الفتوى، إن الأضحية هى شعيرة شرعية عريقة، تعود إلى عهد سيدنا إبراهيم عليه السلام، وهو من الأنبياء الذين أسسوا التوحيد ومبادئ الدين الحنيف. وقد جاء ذكر هذه الشعيرة فى القرآن الكريم فى سياق قصة الفداء الإلهى لسيدنا إبراهيم، حيث قال الله تعالى: «وناديناه أن إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزى المحسنين، إن هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح عظيم» (الصافات: 105-107).

وتابع «لاشين» أنه قد جاءت سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم تؤكد هذه المشروعية، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
«من كان ذا سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا»، وهذا يدل على عظمة الأضحية وضرورة إتيانها لمن استطاع.
وأختتم «لاشين» تصريحه للوفد قائلاً: «ما ذكر من ادعاءات حول صدور قوانين خاصة تضحى عن الشعب أو تبرئهم من الأضحية هو أمر مخالف للشرع، إذ إن من فعل ذلك هو النبى محمد صلى الله عليه وسلم، وليس لأحد أن يدعى ما لا يملك من خصوصيات النبى، ولا أن يفترض له أن يسقط فريضة على أمته أو يتحدث باسمه فى ذلك».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض