على فكرة
مع أن الخيار والفقوس هما صنفان متشابهان من الخضراوات يمكن أن يحل أحدهما محل الثانى فى الاستخدامات الغذائية اليومية، وبرغم أن الفقوس يعتبر فى بعض البيئات من الفاكهة، إلا أن الاستخدام الشعبى فيما يبدو يحط من قدر أحدهما لصالح الآخر، ويعلى من قيمة أحدهما على الآخر، لكى تصبح عبارة خيار وفقوس إشارة إلى التفرقة غير العادلة بين نوعين من الأشياء أو الأشخاص، برغم أنهما متشابهان فى أحوالهما.
يضرب يحيى حقى مثلا على تلك التفرقة التى تؤرقه، وتجلب له الضيق والصداع، فيحكى وهو غاضب عن المفارقات التى تحفل بها صفحات الحوادث فى الصحف والمجلات المصرية، حين تنشر أخبار الجرائم. ويضرب مثلا على ذلك بنشر الصحف لخبر يقول «بنت أخت وزير سابق، تتهم زوجها الأستاذ فى الجامعة، بضربها وسرقة حليها». نشرت الصحف الخبر مجهلا من الأسماء، وخاليا من صور المدعية والمدعى عليه. بينما لا تتوانى نفس الصحف عن أن تنشر خبرا آخر على النحو التالى: تلقى قسم بوليس المذبح، بلاغا من هنومة محمد علوان، المقيمة بالمنزل رقم 3، بعطفة الأغوات فى شارع السد الجوانى، تتهم فيه زوجها عبدالجبار السمالوطى، وهو صاحب محل جزارة فى أول البغالة، بضربها بالساطور. ومع الخبر صورة للساطور الملوث بالدماء، وصورتان للزوجة ولزوجها.
ويعلق يحيى حقى على تلك الطريقة الإعلامية لنشر الخبرين ويفسرها فيقول، نحن نرى ملطمة علية القوم من وجهاء الوظائف والثقافة والمركز الاجتماعى، تنشر مع تكتم الأسماء والعناوين حماية لهم من الفضيحة. أما الفضيحة، فمن نصيب المقطوعين من شجرة. من نصيب الفقراء والبسطاء من عامة الشعب، وكأن ليس لهم كرامة تستحق أن تصان!
شىء من هذا وأكثر فداحة منه يحدث فى المعالجات الصحفية وتعليقات الرأى، التى تتحدث عن قضية نوال الدجوى، والغموض الذى يحيط بمسألة ميراث أحفادها، وبالموت المفاجئ لحفيدها الشاب النابه أحمد الدجوى، الذى تم اتهامه بسرقة خزائنها. ومع أن بعض المشاركين فى جنازته رفعوا لافتات تطالب بإعادة تشريح جثته وفتح تحقيق شفاف فى ملابسات موته، وشكك شقيقه فى الرواية التى تشيع انتحاره، فلم تتوقف التعليقات والتقارير الإخبارية عن ترديد سردية انتحاره بنفس المفرادت فى كل الصحف، فضلا عن كيل المديح لمشروع الجدة التعليمى.
لم يتوقف أحد من المتعاطفين ومن كورس المنشدين لسردية واحدة لبعض أفراد العائلة أمام المخالفة القانونية التى كشفت عن وضع كل تلك الثروة فى خزائن منزلية، وأثرها المالى السلبى على الاقتصاد الوطنى. لم ينتظر هؤلاء النتائج النهائية للتحقيقات، فبادروا بنشر ما ظنوا أنه تأثير فى مجراها لتثبيت تلك السردية.
وقبل هذا وبعده، لم يفتح الله على أحدهم ليقول لنا ما الذى جنته البلاد من خصخصة التعليم الجامعى، الذى سبق له أن علم الدكاترة أحمد زويل ومجدى يعقوب ومحمد غنيم واحمد مستجير وغيرهم من علماء ونبهاء مصر. قضت خصخصة التعليم الجامعى والعام على صيحة طه حسن فى أربعينيات القران الماضى، من أن يكون الهدف الأساسى للتعليم بكل مراحله هو خلق وجدان مشترك لكل المصريين، ليصبحوا سواسية كأسنان المشط لا فرق بين فقير وغنى ولا مسلم ومسيحى ولا أبيض وأسود. ولكى نصل إلى تلك اللحظة، فلا بديل عن أن يصبح التعليم مجانيا كما قال، كالماء والهواء. لم يحدث ذلك، بل تم السير فى طريق الندامة. وألغيت مجانية التعليم الجامعى المستمرة فى مصر منذ العام 1958، وهو غير ما يحدث فى الدول المتقدمة، حيث تقوم الدولة بشئون التعليم الجامعى. وكان من الطبيعى والحال كذلك، أن نصل إلى ما حذر منه الدكتور حامد عمار من أن إخضاع الجامعات لسياسات الخصخصة، التى تعد ذات دوافع اقتصادية لا تربوية، قد حرم أكثر من 70%من السكان من الحاق ابنائهم فى التعليم الجامعى. كما أدى انتشار الدروس الخصوصية إلى الانهيار التام للمنظومة التعليمية. وها هى الأمور تأخذنا الآن للعودة لنظام الكتاتيب!
كان شارل ديجول يقول: ما دام القضاء والجامعة بخير، فإن فرنسا بخير. وهو قول سديد لأنه يدعم ركائز الدولة العصرية الحديثة، التى لا تكتفى بالإكثار من منتجات العصر وأحدث آلاته واختراعاته، لكنها تسعى بالعلم والدراسة والمعرفة إلى تثقيف العقل وصقل النفوس بالقيم النبيلة السامية، وهو ما يفعله التعليم الجامعى.
أما نحن فقد انتصر علينا الجشع، والارتهان لسياسات الصندوق، فسادت سياسة الخيار والفقوس، التى أنهكت قلب يحيى حقى، وأدمت أرواحنا وقلوبنا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض