على فكرة
ما إن أعلن الرئيس الأمريكى ترامب عن نيته رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا، واستقباله لرئيس الفترة الانتقالية «أحمد الشرع «حتى سلمت الحكومة السورية إلى إسرائيل الملفات الأرشيفية والمتعلقات الشخصية، الخاصة بقضية الجاسوس الأشهر فى تاريخ التجسس الإسرائيلى على الدول العربية «إيلى كوهين»، واحتوت على نحو 2500 وثيقة وأغراضه الشخصية، فضلا عن إعلان تسليم رفاته، برغم تصريحات سابقة لأعضاء السلطة السورية الجديدة، تؤكد تعذر معرفة مكان دفنه.
وكان التقارب فى التوقيت بين الحدثين، سببا منطقيا للربط بينهما، ولعله يكون شرطا من شروط أمريكية، يتوقع كثيرون أن يكون بينها انضمام سوريا إلى الاتفاقات الإبراهيمية.
وكان من اللافت للنظر أن تتسلم إسرائيل تلك الملفات فى يوم 18 مايو الجارى، الموافق الذكرى الستين لإعدام «إيلى كوهين» فى دمشق، بعد محاكمة علنية له، اعترف فيها بكل المعلومات العسكرية والمدنية التى تمكن من نقلها إلى جهاز الموساد الإسرائيلى.
وكما، هى العادة فى الكذب ونسج الأساطير وتزوير وقائع التاريخ، تصور إسرائيل ذلك الحدث باعتباره من انجازاتها، متجاهلة المتغيرات الإقليمية والدولية التى أتاحت لها ذلك، ومستخفة كذلك بالدور الأمريكى الذى يسر لها تلك المهمة، ومتغاضية عن أنها فشلت طوال ستين عاما فى الحصول على ذلك الملف، وأن جاسوسها الذى نصبته بطلا قوميا، ألقى القبض عليه وتمت محاكمته وأُعدم.
ومنذ ستين عاما، أخذ سيل من الأكاذيب الإسرائيلية ينسج وينشر فى عدد من الكتب والصحف، يستهدف شيئين، الأول تضخيم دور جهاز الموساد الإسرائيلى باعتباره لا يقهر، أما الثانى فهو التغطية المتعمدة على الدور المصرى فى الكشف عن تلك القضية.
انتمى إيلى كوهين لأسرة يهودية من المهاجرين من حلب حيث ولد فى الاسكندرية فى 6 ديسمبر 1924، وبعد أن اتقن بالدراسة وبالجهد ألذاتى اللغات الفرنسية والعربية والعبرية، اقترب من الجمعيات الدينية اليهودية والنشاط الصهيونى السياسى الذى كان منتشرا فى مصر، وألقى القبض عليه متهما فى قضية لافون عام 1954التى نفذها عملاء اسرائيليون ضد منشآت مدنية وبريطانية وأمريكية فى القاهرة، بهدف توتير علاقات ثوار يوليو مع الغرب، وحث بريطانيا على عدم سحب قواتها من مدن القنال. لكن القضاء برأه، وفى عام 1956 تم ترحيله من مصر بتأشيرة خروج بلا عودة، فالتحق ببقية أسرته فى إسرائيل، حيث جنده الموساد ومنحه جواز سفر سوريا يحمل اسم «كامل أمين ثابت» وأموالا طائلة ليؤكد مهنته كتاجر من من كبار المصدرين، وأرسله إلى الأرجنتين حيث اختلط فى أوساط الجاليات العربية المهاجرة، وصار صديقا للملحق العسكرى فى السفارة السورية الجنرال «أمين الحافظ». وحين أصبح أمين الحافظ رئيسا لسوريا دعا، صديقه كامل أمين ثابت للزيارة، وألح عليه لكى يستثمر أمواله داخل سوريا، ومن هنا انفتحت له كل الأبواب وصار ضيفا دائما على موائد النخبة السورية الحاكمة.
وفى كتابه «الانفجار» يروى محمد حسنين هيكل دور المخابرات المصرية الرئيسى فى كشف إيلى كوهين، حينما وصلت إلى القاهرة مجموعة من الصور، يتفقد فيها الفريق «أمين الحافظ» مواقع على الجبهة السورية مع بعض مرافقيه، فتبين من بينهم صورة إيلى كوهين، الذى ظل تحت مراقبة أجهزة مكافحة الأنشطة الصهيونية حتى ترحيله من مصر. وأرسلت مصر وفدا سريا إلى دمشق حيث وضعت أمام السلطات المسئولة كل الحقائق عن شخصية «كامل أمين ثابت».
وكانت أجهزة الأمن السورية قد تلقت فى نفس الوقت، بلاغا من السفارة السوفيتية فى دمشق يشكو من أن اجهزة الإرسال فى السفارة يجرى التشويش عليها كل يوم فى ساعة محددة. وحين تفحص الأمن السورى الشكوى، تبين أن شقة إيلى كوهين القريبة من السفارة ترسل ذباذبات من أجهزة هى مصدر التشويش. فتم وضع الشقة وصاحبها تحت المراقبة، حتى القاء القبض عليه. ومنذ إعدام جاسوسها، بدأت إسرائيل فى نسج أكاذيب لأمانيها الفاشلة. بينها أن كوهين اقترب من تولى موقع وزير الدفاع فى سوريا، وأوشك أن يكون رئيسا له، وهوما لم يثبت أبدا صحته.
سؤال لم أجد له إجابة، لماذا تسلم الحكومة السورية لإسرائيل، وثائق تكشف جهود العرب فى التصدى لمؤامراتها؟ إن هذا ليس سؤالا إنه دمعة حزن على ما آلت إليه أحوالنا!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض