رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

هل لعنة التنقيب عن الآثار أصابت القرية بهوس إزهاق الأرواح ؟

من قتل محمد بدر الجمسي فتى بسيون ؟.. فقيد كسرة النفس وقهر الرجال

محمد بدر الجمسي
محمد بدر الجمسي

والدة الضحية :"كان يوزع التمر في رمضان وقت المغرب ويؤجل فطوره ....هل يقدم ابني على الانتحار وقد أدى فريضة الصلاة قبل التلوي من أوجاع بطنه ؟

 

وجدتني أمس في حالة من الترقب الغير المعتاد ،حالة من الصمت صاحبتها عزلة ورغبة في المسير بمفردي ،كأن ثمة أمرا لا أعرفه يسعى لطرق الذهن ،لا أعلم من الطارق أو هويته ،فقط رغبة في السير منفردا ،دون الحديث لأحد أو مصاحبة أحد ،بجوار كورنيش المرشحة ،الفرع اليتيم المتجذر من شرايين النيل كان مسيري ،ناظرا تارة لصفحة الماء وتارة أخرى شاخصا ببصري ربما باحثا عن شيء يبدد ذلك الترقب ...مرت قرابة الساعة ،رن هاتفي أكثر من مرة على وضع الصامت الهزاز فاصاب جسدي بقشعريرة هزة الآلة في جيبي ،لمرات حدث هذا ،فأقدمت على تصفح المتصلين بي ،لكن ثمة رسالة من حساب مجهول عبر تطبيق الفيس بوك لشخص لا أعرفه وبان إشعارها من الخارج مفاجئا ومربكا ،ففضضت بكارة تلك الرسالة المجهولة لأتبين ماذا كتب صاحبها ،"هل تستطيع أن تعيد حق المقتول وتنقب كيف قتل ؟...كلمة السر الشاب محمد بدر الجمسي .."بسيون غربية ".

بسيون مرة أخرى ،ماذا أصاب تلك المدينة الريفية الهادئة ؟ّ!،منذ أيام أخرجوا جثة الشاب الموءود تحت ركام التنقيب والبحث عن الكنز ،واليوم تصلني رسالة عن مقتول آخر ،أهي لعنة الدماء قد أصابت هذه البلد ؟،في أقل من أسبوع تتسارع وتيرة إزهاق الأرواح ؟!،كيف قتل ومن قتله وما ملابسات هذا القتل ؟ تأملت الهاتف ،أخرجت من سجل الأسماء رقم الصديق المقرب فتحي بدر ،لم يخذلني قط ،شهدنا معا سنوات من الحلم والأمل والانكسار ،جاءه صوته رخيما كعادته ،بادرته بالتساؤل :"من هو محمد بدر الجمسي ؟...وكيف قتل ؟،رد محدثي :"شوف الموضوع كبير وفيه كلام كتير وتناقلات كتير ومقاهي البلدة تعج بكلام أكثر ،ما أستطيع قوله لك كشهادة لله ،أن الولد في الصف الثاني الثانوي ومشهود له بالخلق الطيب والتفوق الدراسي ،الولد ابتلع حبة غلة ومات ،وقبلها كان فيه خلافات معينة اعفيني أن أذكرها لك فالطرفان من أبناء بلدتي والحقيقة تائهة بعض الشيء لأن الروايات كثيرة " استشعرت أنني في هذه المرحلة أرغب أن يواصل فتحي بدر حديثه بسيف الحياء ،شكرته بأدب ولم أرد أن اقتنص منه معلومة لبناء الموضوع وقررت أن اقتحم ساحة الأقاويل بشخصي .

العاشرة الآن مساء ذلك اليوم ،المسافة بيني وبين بسيون تستغرق قرابة ساعة زمانية ،أيهما أفضل هل أعود لاستقلال سيارتي فأكون في رحابة من المسير والعودة أم أن تأخير الوقت ربما يعطل الاقتراب من الحدث ،حالة من الاستنفار العصبي قد استبدت بي ،حاولت الهروب منها بالتفكير في أي شيئ ،كان طالب الثانوية الضحية يحاصرني ،يستصرخ في أذني بصوت كدت طويلا تحجيمه ،لم أفلح ،بات طيفه يلف حولي ،أحلام أمه التي راهنت عليه ،مشهد ابيه الباكي لربما يحتضن صورته الآن ويبكي في غرفته دون علم أحد ،لا كتب الله على أحد قهر الرجال ،صوت يدفعني بأن هناك لغز ،شرف الكلمة يقتضي التنقيب في ركام الأحداث ،ماذا بوسعي ان أفعل الآن ؟،إذا طرقت باب أسرته لربما رفضوا وجودي وربما نكأت الجراح التي لا تزال رطبة ،ما الذي يدفع الشاب لتناول حبة الغلة القاتلة ....حصار حصار ..دفعني لأن أشير للسيارة الأجرة لتقلني لموقف سيارات الأجرة ببسيون .الاحتكاك مع الناس ،ربما سمعت جملة في الميكروباص ترشدني لطرف خيط ،ربما تشجعت وثرت الموضوع مع جاري الذي يجاورني في المقعد ...

داخل السيارة :

مسالمون أهل تلك المدينة ،يصعد الركاب على عجل ،يدخل كل راكب إلى كرسيه صامتا ،لغتهم الأثيرة التي جعلتهم يشتهرون "بصعيد الدلتا " تعطيش حرف الجيم ،وهي اللكنة اللميزة لمدينة بسيون عن كل قرى الدلتا ،قصدت المقعد الأخير جوار شباك الزجاج في سيارة الأجرة ،امتلأت السيارة ،يبدو أن الجميع على معرفة ببعضهم ،تبادل الجميع السلام ،وبدا أن اختياري للمقعد الأخير كان مناسبا لغريب مثلي انحشر وسط القوم ،كيف سأبتدأ الحديث ؟،كان جاري في المقعد رجل يقارب الستين أو أقل بقليل ،تشجعت قرأت في سري فاتحة الكتاب طلبا من الله التوفيق ونصرة المظالم ،بدون مقدمات وجدتني أقول لجاري في الركوبة :"ما الذي يدفع مراهق في بداية تفتح زهرة عمره أن ينهي حياته ؟" ،نظر لي محدثي ،تردد قبل أن يتكلم :"قال ربما كانت كسرة النفس أو حالة الإذلال التي مر بها " أقول مستنفرا :"أي إذلال تقصد ومن الذي قام بإذلاله ؟

يقول جاري :"لهجتك تدل على أنك غريب ،لن أسألك من أي دار أو عائلة أنت ،لكن يبدو عليك فضول المعرفة ؟

أرد عليه :في التفاصيل يكمن الشيطان ،وربما كانت المعرفة نصرة لحق مظلوم .

يرد جاري :"شيعنا جنازته الجمعة الماضية ..كادت البلد تحترق جراء ما سمعناه "

يسمع أحد الركاب في المقعد الأمامي الحوار فيتدخل ،"الموضوع كله منتشر على مقاهي بسيون ،جتى الجلسة التي أجلسوها للولد المتوفي كانت على المقهي ومافيش حاجة مستخبية "

أسأل الرجل في المقعد الأمامي :"أيه اللي حصل وايه المستخبي ؟"

يرد الرجل الذي يخفي ظلام الميكروباص والطريق الفردي وجهه :" الواد كان متعلق ببنت من البلد ،وشاب مؤدب كان بيكلمها ،وهي كانت بتكلمه ،أخو البنت دي ،اللي سمعناه أنه طلب منه يقابله على الطريق الدائري ،وقابله وضربه وأخد تلفونه ،وأهانه ورجعله التليفون قدام القهوة والشباب كنوع من انواع كسرة النفس والذل ووده شاب مراهق شايف نفسه عزيزة ،الواد حس بالقهرة فموت نفسه وسمعنا كلام كتير مش عارفين حقيقته ..وبصراحة امه طلعت على النت وقالت ابني ما ينتحرش .."

أسأله :"أيه الكلام الكتير ؟"

يرد محدث آخر :"انزل القهاوي وانت تسمع "

يتدخل سائق الميكروباص :"ياريت نهدي الدنيا عايزين الليلة تعدي على خير ،ما نبيتش كلنا في التخشيبة "

أسأل الذي يجاورني وحدثته في الأول :"طيب ودور المباحث كان أيه ؟"

يرد :"بعد تشييع الجنازة وتداول الكلام في البلد ،والخناقات التي حدثت بين الشباب ،سمعنا ان المباحث تحفظت على أخ البنت وبعض أصحابه وبعيدن عرضتهم عالنيابة وخرجوهم "

يقطع سائق الميكروباص حديثي مع الرجل ويتحدث بصوت مرتفع كأنما يود التخلص مني :"التنظيم ..أنت نازل التنظيم يا أستاذ " أقول له "لا سأدخل البلد " فيرد :"ربنا يعدي المشوار ده على خير ".

اتفحص بعيني مقاهي البلدة ،أحاول تخير مقهى يرتاده شباب في عمر الفتي الراحل ،شيء ما يهمس بداخلي أن استكمل الطريق مترجلا ،ثمة صوتا يخبرني بأن ما رغبت في البحث عنه سيجدني ،استأذنت سائق الركوبة في النزول ،تنهد كأنما تخلص من بلوى ،ضغط الرجل الذي يجاورني على يدي وأنا أستعد للنزول ،قال هامسا :"الصحافة صوت المستضعفين ..انصفه وهو تحت التراب "

رائحة الفسيخ والسمك المدخن ،تخترق أنفي ،مقهي يجاور المحل صاحب الرائحة ،أدخل محاولا تحسس الأوجه ،لعنة الجيل الحالي ،حلقات من مجموعات دفس الجميع وجوههم في الهاتف ،بعضهم ينهمك في لعبته ،والآخر يتصفح تيك توك ،لا لأعلم سبب جلستهم وكل فرد منكب على اللعنة التي أبتلينا بها ،اقترب من مجموعة من نفس عمر الشاب الذي زهقت روحه ،أجلس على طاولة منفردا لكني قريب منهم بحيث يسمعني الجمع وأسمعهم .أنتبه على صوت أحدهم :"شوف منزلين ايه عالصفحة ؟" يرد آخر اقرا كده فيقرأ الشاب صاحب الاكتشاف :" صبح ضحية لواحدة من أبشع صور العنف الخفي – للبلطجة.

بحسب تصريحات والده، فإن محمد لم يكن يواجه فقط كلمات جارحة أو تهديدات عابرة، بل كان يُستدرج يومًا بعد يوم إلى دوامة من العنف النفسي والجسدي. اعتداءات متكررة، ابتزاز نفسي، وتصوير دون علمه – جميعها شواهد مأساوية تراكمت حتى أثقلت قلبه، ودفعت به إلى قرار مفجع.في بث مباشر هز القلوب، ظهر والد محمد ممسكًا بقميص ابنه الممزق، قائلاً إنه نتيجة اعتداء بسلاح أبيض. صوت الأب كان مكسورًا، لكنه قوي بالإصرار على إيصال صوته للعالم: "ابني اتظلم، وحقه لازم يرجع."

يدفعني ما سمعت لأن اقترب من الشباب وأسأل الشاب الذي كان يقرأ بصوت مرتفع :"من قال هذا الكلام وعلى أي صفحة ؟" فيجيب "صفحة وائل أنور ..وفيه صفحات كتير زي بسيون 2050 " ،أسحب الكرسي وأسال الشباب :"أنتم تعرفوا محمد بدر الجمسي " ايوه نعرفه وكان حد مؤدب وهو وحيد أمه وأبوه .

استمع إلى كلمة وحيد أمه وأبيه ،فاستشعر غصة في قلبي ،لكني أحاول استجماع ثباتي أمام ِالشباب وأطلب منهم رواية الحدوتة فيخبرني شاب يتوسط الجلسة :"شوف محمد كان بيكلم بنت من البلد ،وكان كلام عادي ومؤدب مافيهوش غلط ،سمعنا ان البنت راحت لاخوها أو أخوها عرف لوحده ،استدرجوه ناحية الكوبري الدائري وسمعنا كلام كتير الله أعلم بصحته ،سمعنا أنهم خلعوه هدومه وصوره عريان عشان يكسروا نفسه ،وسمعنا انهم ضربوه وأخدوا تلفونه ،والناس في القهوة شاهدة أنهم جابوله تلفونه بعد ما فرمتوه ،وكسروه قدام الكل ،محمد حس انه انكسر واتهان وانطعن في رجولته ،فقرر ينهي حياته ...بس بصراحة البلد داير فيها اشاعة تانية أن ممكن يكون حد شربه حبة الغلة في العصير ...بس بصراحة الشاب ده اتكسر وماحدش جاب حقه  أمه نفسها صبرها الله تنفي فكرة انتحاره وتؤكد أن الأمر به شبهة جنائية "

إلى هنا تكتمل الغصة في نفسي ،إلى هنا يكون توجيه السؤال إلى القائمين على أمر الوطن وأمن الوطن وكسر نفس الشاب الذي ربما تنكسر نفوس غيره آلاف المرات دون أن يعوا ،إلى هنا يكون التوجه إلى السيد مدير البحث الجنائي بمديرية أمن الغربية كونه في المقام الأول أبا ثم مسؤولا عن أمن البلاد والعباد ،إنني أعي أنه لا يمكن البناء على أقوال منتشرة بين الأهالي وأن القانون بحاجة إلى قرائن مادية ملموسة ،لكن ثمة قرينة واضحة واحدة جلية تستصرخ فينا كل القيم الإنسانية ،قرينة المراهق الشاب ،زهرة من زهرات هذا الوطن ،التي قطفت أو اقتطفت جراء كسر النفس والإهانة وقهر شاب في مقتبل عمره ،الشاب الضحية والذي تحت التراب الآن تم أخذ هاتفه تم استدراجه ناحية الطريق الدائري ،تم تسليم هاتفه فارغا أمام شهود عيان ..كل هذا تم ولا أعلم هل يعلم رجل سيادتكم رئيس مباحث البلدة بكل هذا أم لا ؟..هو نفسه الذي لم يعلم بقضية التنقيب إلا بعد إزهاق روح بشرية أسفل البئر ...؟...لعلني هنا سعادة اللواء أضع ما أكتبه على طاولة سيادتكم ،فربما كنا عوضا وصبرا او سببا للربط على قلب أم الفتي وأبيه ،نوعا من المواساة وأن لهذه البلدة رجالا يستشعرون مرارة أم فقدت ابنا طالما حلمت بمستقبله ...أضع ما كتبته أمامكم فأكون بما كتبت التزمت بميثاق الآية العظيمة "ن والقلم ومايسطرون " و أكلمت مهمتي معبرا عن ألم الفقد وكسرة النفس ...وأيضا بداخلي ثقة في إظهار الحق والحقيقة على أيديكم  لأني على يقين أنكم من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه .

495532646_1001672008848604_5467680821924753657_n
495532646_1001672008848604_5467680821924753657_n
496825076_692436813523739_6816353132517093249_n
496825076_692436813523739_6816353132517093249_n
Screenshot_2025-05-19__19_14_17_modified
Screenshot_2025-05-19__19_14_17_modified
والدة محمد
والدة محمد