رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

يا خبر

حديث رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو المتكرر بأن إسرائيل تعيد تشكيل الشرق الأوسط، ليس حديثًا عابرًا ولا جملةً يقولها على سبيل ترنيم الخطاب السياسى ومغازلة ائتلافه اليمينى المتطرف، ولكنه كلام مقصود ومخطط له منذ زمن، وهو فقط يردده كغيره من قادة إسرائيل، حيث كان التوسُّع مطروحًا لدى الصهاينة الأوائل، الذين أرادوا بناء «حضارة إسرائيلية مزعومة» تتجاوز حدود فلسطين التاريخية، فقد وضع زعيم الصهيونية الأول ثيودور هرتزل مساحة مبدئية لإقامة دولته اليهودية تبلغ نحو 70 ألف كيلومتر، وحدَّد موقعها على الخريطة بالأراضى التى تقع بين نهر النيل فى مصر ونهر الفرات فى العراق، وهى مزاعم تردَّدت على ألسنة الحاخامات الصهاينة الذين ادعوا أنها الحدود التوراتية لأرض الميعاد، وفى المؤتمر الصهيونى الخامس دعا ديفيد تريتش أحد الأعضاء البارزين لاستعمار فلسطين والبلاد العربية المجاورة لها، كما نادى البروفيسور أوتو واربورغ، الرئيس الأسبق للمنظمة الصهيونية، بضم منطقة شرق الأردن (المملكة الأردنية حاليًا) إلى مساحة فلسطين الكبرى، التى استبدلوا اسمها فى الوثائق التاريخية التالية بـ «إسرائيل الكبرى»، وفى الجنوب مثلًا، دعا المخطط الصهيونى الشهير المعروف بمخطط «نفو» إلى احتلال شبه جزيرة سيناء، والسيطرة على الضفة الغربية وشرق الأردن وجعل حدود إسرائيل الشرقية تصل إلى الصحراء السورية، وكذلك احتلال جانبيْ خليج العقبة، وفى الشمال، نص المخطط على احتلال إسرائيل لمناطق حوران والجولان وقمة جبل الشيخ وجنوب لبنان حتى مصبّ نهر الليطانى وطرد أغلبية السكان من هذه المناطق للحفاظ على «الطابع اليهودى لإسرائيل»، ومن ثم فطنطنةُ نتنياهو بجملة «نغير الشرق الأوسط» تعكس الأهداف التوسعية الخبيثة للكيان -اللقيط جغرافيا- على حساب الأراضى العربية وأصحابها.

بداية «الشرق الأوسط» مصطلح مطاطى يضيق ويتسع بحسب من يستخدم المصطلح لصالحه من القوى الكبرى التى احتكرت تصنيف العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى وسقوط الإمبراطورية العثمانية، فأصبح الشرق الأوسط وقتذاك ضحيةً للاستعمارين البريطانى والفرنسى، اللذين تنافسا على فرض الهيمنة على البلدان التى تحررت من الهيمنة العثمانية، ونجحا فى السيطرة على معظم بلاد الشرق الأوسط حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ويجب ملاحظة أن ما هو «شرق» منطقة جغرافية معينة، قد يكون «غرب» منطقة جغرافية أخرى، فروسيا وتركيا وإيران يقعون شرق أوروبا، ولكنهم يقعون غرب اليابان، وهكذا فإن «الشرق الأوسط» هو فى الحقيقة «الغرب الأوسط» بالنسبة لليابان.

مع بداية النصف الثانى من القرن العشرين سعى الأمريكان إلى أخذ أماكنهم فى المنطقة بأسرها، وقدموا تعريفهم لمصطلح الشرق الأوسط ليشمل كل البلاد التى كانت تحتلها بريطانيا وفرنسا معا فى المنطقة، أى بلاد منطقة الشرق الأوسط التقليدية بالإضافة إلى دول شمال إفريقيا العربية.

عمومًا فإن الرؤى الخاصة بإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يتناسب مع المصالح الاستعمارية تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، وتحديدًا عام 1840، عندما قاد هنرى بالمرستون المسئول البريطانى الدول الأوروبية لتقويض قوة دولة محمد على فى مصر والسودان والمشرق وجنوب الأناضول.

فى عام 1948، أوجد الكيان الإسرائيلى واعتُبر شرق أوسطيًا بالموقع الجغرافى، رغم رفض جميع الدول العربية بالمنطقة وقتذاك لافتقاره لجميع صفات وخصائص دول الشرق الأوسط، من حيث اللغة والدين والتاريخ والثقافة، وما انفك الكيان المغتصب يحاول طمس التاريخ وتهويد القرى والأحياء الفلسطينية بعد نكبة 1948، بهدف استئصال الذاكرة العربية من المواقع الجغرافية واستبدالها بهوية مزيفة لصبغ المكان بطابع قومى يهودى مرتبط بالسرديات التوراتية والتاريخ العبرى المُتخيل للأراضى المحتلة.

لا يمكن قراءة حديث نتنياهو المتكرر الآن عن تغيير الشرق الأوسط بمعزل عن حروب الجغرافيا السياسية، ففى سبتمبر 2023، عرض نتنياهو فى الجمعية العامة للأمم المتحدة خرائط تُظهِر الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة كجزء من إسرائيل، وهذا يحمل فى طياته دلالات خطِيرة.

كما لا يمكن النظر إلى حديث نتنياهو المتكرر عن الشرق الأوسط الجديد من دون التوقف عند حديث الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى وجود نتنياهو بالبيت الأبيض فى فبراير الماضى عن رغبته فى امتلاك الولايات المتحدة لقطاع غزة وتحويله إلى منتجع سياحى للأثرياء ليصبح «ريفييرا الشرق الأوسط»، مُشيرًا إلى أنه سيعمل على تهجير الفلسطينيين من القطاع وإعادة توطينهم فى دول مجاورة، ناهيك عن دعم ترامب للحكومة الإسرائيلية لتوسيع المستوطنات فى الضفة الغربية تمهيدًا لضمها فى نهاية المطاف، وبعد لقائه ترامب فى فبراير الماضى زاد نتنياهو من تصريحاته قائلًا أن المرحلة القادمة ستغير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد، كما كشف ضمنيًا عن مساعيَ توسُّعية للدولة الصهيونية بدعمٍ أمريكى، بقوله: «إن ترامب كان على حق عندما أشار إلى أن مساحة إسرائيل صغيرة جدًا ولا يجب أن تبقى كذلك».

المسألة إذا ليست مجرد تصريح متكرر من نتنياهو ولكنها نية مبيتة للعدوان ينبغى التعامل معها، لاسيما فى ظل الدعوات الإسرائيلية المتصاعدة لاستيطان غزة والاستيلاء على مزيد من الأراضى السورية المحاذية للجولان المحتل، وتسريع عملية الاستيطان التى تجرى على قدم وساق فى الضفة الغربية تمهيدًا لضمها كاملة.