تأملات
يمكنك أن تعتبر تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلى كاتس بشأن التسلح المصرى نوعاً من «التلكيك» أو «جر الشَّكَل» كما يصفها الكاتب الصحفى مصطفى بكرى وهى كذلك، ويمكنك أن تعتبرها رسائل للخارج لجلب مزيد من الدعم كما ذهب اللواء سمير فرج وهى كذلك أيضا، كما يمكنك أن تعتبرها -وهذا أمر أكثر ترجيحا- مسعى للإفلات من استحقاق الانسحاب من محور صلاح الدين على ما ذهب إليه وزير الخارجية المصرى الأسبق السفير محمد العرابى.
كل ذلك وارد، لكن هناك جانب مهم لا بد أن يلفت النظر يتعلق بالصياغة التى تم تقديم بها التصريح فى معظم المنصات التى نشرت الخبر نقلا عن صحيفة يديعوت أحرونوت. هذا الجانب يعبر فيما نرى عن إحساس إسرائيلى عام أشرنا إليه من قبل ومن الغريب أن يمتد إلى الموقف من القاهرة، هو الشعور الإسرائيلى بالاستقواء، وأن تل أبيب أصبحت القوة الإقليمية الكبرى فى المنطقة والتى لها القول الفصل، تستطيع أن تحدد مصير الأحداث فيه على النحو الذى تريد، وهو أمر فصلنا فيه فى مقال سابق أشرنا خلاله إلى أن الأمر وصل لحد تأكيد نتنياهو على قدرة إسرائيل على تغيير شكل الشرق الأوسط.
لكن فى كل الأحوال بدت القاهرة بالنسبة لإسرائيل الرسمية «قدس الأقداس» الذى لا يجب الاقتراب منه لسبب أو لآخر يقوم أساسا على عدم إثارة غضبها لحساسية دورها فى إدارة دفة الأوضاع فيما بعد طوفان الأقصى وباعتبارها حلقة الوصل الجيدة التى لا يمكن الاستغناء عنها. دعك بالطبع من بعض المساعى الصبيانية الخبيثة لإحراج مصر دوليا بعد تطورات ما بعد 7 أكتوبر مثل الادعاء بأن مصر هى التى أغلقت معبر رفح ومنعت المساعدات عن الفلسطينيين.
لكن الملاحظ فى الآونة الأخيرة أن مصر أصبحت موضع نقاش وجدل فى أوساط إسرائيلية مختلفة على صعيد موضوع تسليحها فى محاولة لإثارة الغبار بشأن هذا الموضوع، وكأن التسليح يجب أن يقتصر على تل أبيب فقط فيما يجب أن تقف القاهرة وبقية العواصم العربية مكتوفة الأيدى منزوعة السلاح فى انتظار الضربات والقصف الإسرائيلى! وهو الأمر الذى جاء الرد عليه من مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة السفير أسامة عبدالخالق بأن الدول القوية والكبرى مثل مصر تلزمها جيوش قوية وقادرة على الدفاع عن الأمن القومى بأبعاده الشاملة عبر تسليح كافٍ ومتنوع.
كل ما سبق وارد ويمكن تفهمه فى إطار تفاعلات إقليم مضطرب تمثل فيه قوة مصر فى المنظور الإسرائيلى مصدر الخطر الأكبر، لكن ما ليس مقبولاً أن يخرج علينا وزير الدفاع الإسرائيلى -وتصريحاته تعبر عن الموقف الرسمى للدولة العبرية- ليقول إن بلاده «لن تسمح للقاهرة بانتهاك معاهدة السلام»!
التصريح، فضلاً عن كونه يحمل نبرة عدائية تتجاوز الأعراف الدبلوماسية المعمول بها، يقدم إسرائيل باعتبارها الدولة التى تملك تحديد ما يجب أن يتم وما لا يجب. السؤال هو كيف يسمح كاتس لنفسه بانتهاك المعاهدة باحتلال محور صلاح الدين، وانتهاك كل القوانين الدولية ثم لا يقبل أن تنتهك القاهرة المعاهدة؟ وما الذى أدى بكاتس لأن يدور فى خلده أن القاهرة تنتهك المعاهدة ولديه من الاتصالات والقدرات ما يمكنه من معرفة ذلك بعيدا عن التصريحات الرسمية المعلنة؟ ثم إن القاهرة تحترم المعاهدة ليس خشية كاتس أو غير كاتس وإنما لأن هذه هى السياسة أو الاستراتيجية التى تنتهجها منذ أن قبلت بها بغض النظر طبعا عن أى تحفظات على تلك المعاهدة؟ ولأن الثقة فى حكمة الموقف المصرى كبيرة، أعتقد أن الأمر لن يمر دون رد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض