عندما نتحدث عن أعلام مصر في القرن العشرين، يظل اسم فكري باشا أباظة متقدا في الذاكرة الوطنية كأحد الرموز التي جمعت بين الشجاعة الفكرية وحب الوطن الحقيقي.
فكري أباظة لم يكن مجرد صحفي أو كاتب، بل كان فارس الكلمة وشيخ الصحفيين الذين حملوا القلم كسيف في وجه الظلم والفساد والاحتلال.
من لحظة ولادته في كفر أبو شحاتة عام 1896، كانت حياته تحمل بوادر التضحية والعمل الوطني، فقد نشأ في بيئة عائلية عريقة، ودرس في مدارس القاهرة ليصقل عقله ويعد نفسه لخدمة وطنه بكل أمانة وشجاعة.
فكري أباظة لم يكتف بالدراسة أو العمل القانوني، بل كان من أوائل من حملوا شعلة الحركة الوطنية، فشارك في ثورة 1919، وكان من خطباءها البارزين، ينادي بالحرية والكرامة، ويكتب لنصرة وطنه من خلال مقالاته الثائرة.
لم تكن مقالاته مجرد كلمات على الورق، بل كانت صفعة على وجه الاحتلال، ومنافذ لتنوير الرأي العام وتحريك وجدان المصريين. تلك الجرأة جعلته مطلوبا من السلطات البريطانية، لكنه تنكر وتحدى، مواصلا نضاله الفكري والوطني بلا خوف.
مسيرته في البرلمان تعكس روحه الوطنية أيضا، فهو الذي انتخب عن دائرة منيا القمح ورفع صوته في القضايا الجوهرية، مطالبا بإلغاء خانة الديانة من الأوراق الرسمية، ودافع عن حقوق المرأة في زمن لم يكن فيه الاعتراف بمساواتها بالأدوار العامة أمرا شائعا.
كان يؤمن بأن المرأة جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني، وأن نجاحها في الحياة العملية لا يقلل من دورها الأسري، بل يعكس قوة المجتمع وتقدمه.
أما في مجال الصحافة، فقد ترك أباظة إرثا لا يمحى، بدأ حياته في صحف مثل "المؤيد" و"الأهرام"، ثم أصبح رئيس تحرير مجلة "المصور"، حيث كتب أكثر من خمسة آلاف مقالة على مدار خمسة وخمسين عاما، كل واحدة منها كانت صرخة في وجه الظلم ومحاولة لتوجيه ضمير الأمة.
لم يكن يكتب ليجامل أحدا، ولم يخش السلطة، حتى إن موقفه الجريء أحيانا جعله يتعرض للعقوبات، كما حدث عندما أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قرارا بإعفائه من منصبه بسبب إحدى مقالاته السياسية، لكنه ظل دائما صادقا مع قلمه وضميره الوطني.
وليس هذا فحسب، ففكري أباظة كان من أوائل من دافعوا عن حرية الفكر والإبداع، فوقف بجانب طه حسين في أزمته الأدبية، وحمى حرية الجامعة والمرأة في مجتمع كان يغلق الأبواب في وجه الأصوات المستنيرة.
كان يرى أن الفكر الحر والدفاع عن الحق جزء من واجب كل مثقف ووطني، وأن الصحافة يجب أن تكون سلاحا للشعب في وجه كل فساد أو احتلال أو ظلم.
شخصيته لم تقتصر على السياسة أو الصحافة فقط، بل امتدت إلى الثقافة والفن والموسيقى، فكان موسيقيا هاويا وألف مئات القطع الموسيقية، وعشقه للرياضة جعله لاعبا في النادي الأهلي ورئيسا لشرفه فيما بعد، كل هذا يدل على روح الرجل المتعددة المواهب، والتي لم تحصر في مجال واحد، بل كانت كلها في خدمة وطنه وأمته.
ومع كل إنجازاته ومواقفه، لم ينس أباظة بعدا إنسانيا مهما؛ فقد اعتنى بالقضايا الاجتماعية، ونادى بالعدل والمساواة، مؤكدا أن الوطن القوي هو الذي يعترف بحقوق جميع أبنائه، رجالا ونساء، شبابا وكبارا.
كان يعبر في مقالاته وخطبه عن حب مصر بطريقة تجعل كل من يقرأها يشعر بالفخر والانتماء، وكأنه يقول لنا: "الوطن يستحق أن نحميه بأفكارنا وأقلامنا وقلوبنا قبل كل شيء."
رحلة فكري أباظة ليست مجرد صفحات تاريخية، بل درس في حب الوطن، والجرأة على قول الحق، والصبر على المواجهة، والإيمان بأن الكلمة الصادقة أقوى من كل القوى الظالمة.
لقد كان علامة مضيئة في سماء مصر الحديثة، وقدوة لكل صحفي ومثقف يسعى لخدمة وطنه بصدق وإخلاص، وفاته في 14 فبراير 1979 لم تضع حدا لإرثه، بل تركت وراءها جيلا كاملا من المحررين والخطباء الذين يستلهمون منه الشجاعة والوفاء الوطني.
فكري باشا أباظة هو أكثر من مجرد اسم في تاريخ مصر، إنه رمز للصحافة الوطنية الحقة، وقائد فكري ومثقف جمع بين الوعي السياسي والالتزام الاجتماعي، وترك للأجيال القادمة نموذجا حيا عن معنى حب الوطن الحقيقي، وعن القوة الكامنة في القلم والكلمة الصادقة حينما تسخر في خدمة الحق والعدالة والكرامة الوطنية.
في كل مرة نتذكر فيها مقالاته أو خطبه أو موسيقاه، ندرك أن مصر كانت وما زالت بحاجة إلى أمثال هؤلاء الرجال الذين يزرعون فينا الإيمان بأن الوطن يستحق التضحية والفكر الحر والمبادرة الصادقة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض