في قلب التاريخ المصري، تلمع أسماء قليلة استطاعت أن تترك بصمة لا تمحى، وأحد هؤلاء الرجال كان محمود فهمي النقراشي باشا، الرجل الذي جمع بين الشجاعة والإصرار والحكمة الوطنية، ولم يعرف الخوف طريقا إلى قلبه.
منذ طفولته في الإسكندرية وحتى أيامه الأخيرة كرئيس للوزراء، كانت حياته رحلة كفاح مستمرة من أجل مصر، رحلة واجه فيها الاحتلال والتطرف السياسي والعنف، ولم يتراجع لحظة عن مبادئه.
النقراشي لم يكن مجرد سياسي أو موظف حكومي، بل كان رمزا للوطنية المصرية الصادقة، رجلا آمن بأن الدفاع عن الوطن لا يقل شرفا عن الدفاع عن النفس، وأن الحرية والاستقلال هما أغلى ما يملك شعب مصر.
محمود فهمي علي النقراشي باشا، ذلك الرجل الذي تجسد فيه اجتهاد المصري ووطنيته الصادقة، ولد في الإسكندرية يوم 26 أبريل 1888، وترعرع في أسرة تحب التعليم، فحرص والده على أن يمنحه أفضل تعليم ممكن.
بدأ محمود فهمي رحلته التعليمية منذ طفولته في مدارس الإسكندرية، حيث أتقن الفرنسية، وانتقل بعد ذلك لمدرسة جمعية العروة الوثقى، ثم رأس التين الثانوية، حيث تخرج متفوقا وحاز على شهادة البكالوريا وهو في مرتبة الأول على مدينته.
كان هذا التفوق ثمرة اجتهاده ونبوغه، ولكنه لم يكتف بذلك، فقد التحق بمدرسة المعلمين العليا بالقاهرة، وهناك لاحظ المسؤولون تفوقه وقرروا إرساله في بعثة دراسية إلى جامعة نوتنجهام في إنجلترا، حيث درس العلوم العالية وتخرج بامتياز في 1909، ثم عاد إلى مصر ليبدأ مسيرته التعليمية والإدارية والسياسية.
بعد عودته، عمل النقراشي مدرسا للرياضيات في مدارس الإسكندرية، ثم ناظرا لعدة مدارس بالقاهرة والسويس وأسيوط، وكانت هذه الوظائف سببا في تعميق خبرته الإدارية وفهمه لقضايا مصر التعليمية والإدارية.
وفي هذا الوقت بدأ نشاطه السياسي، وشارك في ثورة 1919 ضد الاحتلال البريطاني، وكان من بين الذين تعرضوا للاعتقال والملاحقة بسبب موقفهم الوطني الصادق، لم تثنه هذه التحديات، بل زادته إصرارا على خدمة وطنه والدفاع عن استقلاله.
انضم النقراشي إلى حزب الوفد، ثم بعد خلافات داخلية أسس مع صديقه وأخيه السياسي أحمد ماهر حزب “السعديين”، ليكونا معا طليعة شباب مصر الوطني.
وقد تدرج في المناصب الحكومية حتى تولى وزارات عديدة: المواصلات، الداخلية، المعارف، المالية، والخارجية، قبل أن يكلف برئاسة الوزراء مرتين، الأولى عام 1945 بعد اغتيال أحمد ماهر، والثانية عام 1946 بعد استقالة إسماعيل صدقي، ليقود مصر في فترة حاسمة من تاريخها، ويضع بصمته في السياسة الداخلية والخارجية على حد سواء.
خلال فترة رئاسته للوزراء، كانت مصر تمر بظروف معقدة، على صعيد العلاقات مع الاحتلال البريطاني، وعلى صعيد صعود التطرف السياسي والعنف الداخلي.
طالب النقراشي جلاء القوات البريطانية عن مصر بدون شروط، ورفع صوت مصر في مجلس الأمن الدولي دفاعا عن استقلال الوطن، وكان واضحا في موقفه ووطنيته، لم يساوم على حقوق شعبه، ولم يتراجع أمام الضغوط الخارجية.
وفي الوقت نفسه، لم ينس تطوير البنية التحتية، فشرع في مشاريع عظيمة مثل كهربة خزان أسوان وإنشاء قناطر إدفينا، وأسس البنك الصناعي المصري، وأصدر أول قانون ضريبة تصاعدية، ليكون نموذجا للحاكم الوطني الذي يجمع بين الإصلاح الاقتصادي والدفاع عن السيادة.
لكن دوره لم يكن مجرد إدارة شؤون الدولة، بل كان رجلا حازما في مواجهة التطرف الداخلي، فقد أمر بحل جماعة الإخوان المسلمين في 8 ديسمبر 1948، بعدما خرجت الجماعة عن أهدافها الدينية والاجتماعية إلى العنف وسفك الدماء، وهو قرار شجاع اتخذه دفاعا عن أمن الدولة والمواطنين، رغم ما كان سيترتب عليه من مخاطر شخصية.
وبالفعل، لم تمض ثلاثة أسابيع حتى اغتيل النقراشي أمام مصعد وزارة الداخلية على يد عنصر من الجماعة، بينما كان بين ضباطه وجنوده، وكان القاتل مرتديا زي ضابط وأطلق عليه ثلاث رصاصات أردته قتيلا، وهو المشهد الذي صدم مصر كلها، لكنه أيضا جسد التضحية التي قدمها النقراشي من أجل وطنه.
إن حياة النقراشي تحمل الكثير من الدروس الوطنية؛ فهو لم يسع للسلطة من أجل السلطة، ولم ينخرط في المناورات السياسية الفارغة، بل كان همه مصر وشعبها، وعمل من كل موقع تولاه على خدمة البلاد وتطويرها وحمايتها.
من ناظرا للمدارس، إلى وزير، إلى رئيس وزراء، كان دائما في الصفوف الأمامية للدفاع عن الوطن، ولم يتردد في مواجهة الاحتلال أو التطرف أو الفساد، كما كان دائما إلى جانب القانون والنظام، ومؤمنا بأن الدولة الحديثة لا تقوم إلا بالعدل والتنمية والأمن.
قصته مع أحمد ماهر تعكس مدى التزامه الوطني، فقد تشابهت مسيرتهما منذ النشأة حتى النهاية، فكلاهما ولدا في عام 1888، وسافرا للدراسة في الخارج، وعادا ليعمل كل منهما في التعليم، وانخرطا في العمل السياسي الوطني، وشارك كلاهما في ثورة 1919، وانتهت حياتهما بطريقة مأساوية في اغتيالات سياسية، لكن إرثهما الوطني ما زال حيا في تاريخ مصر.
لقد كانت فترة النقراشي مليئة بالتحديات: مواجهة الاحتلال، الدفاع عن استقلال القرار المصري، المشاركة في حرب فلسطين، مواجهة جماعات العنف، وإدارة الدولة في ظل أزمات سياسية واقتصادية هائلة، ومع ذلك لم يخف من التحدي، وظل ثابتا على مبادئه الوطنية.
اليوم، ونحن نتذكر محمود فهمي النقراشي باشا، نتذكر نموذجا مصريا أصيلا، رجلا علميا، إداريا وسياسيا، جمع بين الحنكة الوطنية والشجاعة، وكان دائما في خدمة الشعب والوطن، ولم يكن يساوم على مبادئه.
إرثه يتجسد في مؤسساته وبنيته التحتية، وفي القوانين التي ساهم في سنها، وفي موقفه من الاحتلال وحماية استقلال الوطن، وفي مثال التضحية الشخصية من أجل المصلحة العامة.
ولأن مصر اليوم ما زالت تحتاج إلى أمثال النقراشي، فإن ذكراه تبقى شعلة مضيئة لكل مصري يحب وطنه، ويؤمن بأن العمل الوطني الحقيقي لا يعرف التردد ولا يخضع للضغوط، بل يظل ثابتا، شامخا، وبالروح المصرية التي لا تنكسر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض