من الصعب أن أستدعي سيرة عبدالعزيز باشا فهمي دون أن أشعر ذلك الشعور العميق الذي يختلط فيه الفخر بالحزن، وكأنني أسترجع صفحة مشرقة من تاريخ هذا البلد، صفحة لا تزال تلمع رغم ما تراكم عليها من غبار السنين.
فالرجل لم يكن مجرد قاض بارع، ولا مجرد سياسي مر على مسرح الأحداث ثم انسحب، بل كان عقلا قانونيا من الطراز النادر، وقلبا وطنيا لا يعرف المساومة، ورمزا من رموز مصر التي تستحق أن نقف عندها وقفة تأمل صادقة.
ولم لا؟ وهو الذي خرج من كفر المصيلحة بالمنوفية، من بيت مصري بسيط، لكنه مفعم بالوجاهة والاحترام، ليصنع برحلته دربا لا يزال أثره ظاهرا حتى يومنا هذا.
أحب دائما أن أتوقف أمام بداياته؛ طفل يحفظ القرآن في قريته، ثم يتنقل بين الأزهر ومدارس الجمالية وطنطا والخديوية، لينتهي به المطاف في مدرسة الحقوق، فيتخرج سنة 1890 وهو يحمل في صدره شغفا بالقانون والعدل أكبر من كل الأوراق التي حصل عليها.
ذلك الشغف هو الذي دفعه إلى أن يشغل مناصب متعددة في النيابة ثم القضاء ثم المحاماة، في رحلة تثبت أننا أمام رجل يعيش القانون لا يدرسه فقط، ويتنفس العدالة لا ينطق بها كحرف جامد، ولم يكن غريبا أن ينتخب لاحقا عضوا في البرلمان، ولا أن يلقب في حياته وبعد رحيله ب«قاضي القضاة» و«النقيب الجليل».
ولعل أهم ما يجعلني أزداد إعجابا به، أنه تبوأ منصب نقيب المحامين مرتين، في زمن كانت فيه مصر تغلي، وكان نبل المهنة وثقلها يحتاج إلى رجل لا يخشى العواصف، فكان هو هذا الرجل.
بل إن التاريخ سيذكر دوما أنه أحد رجال الوفد الثلاثة الذين واجهوا الاحتلال وجها لوجه سنة 1918، وأنه كان ضمن أولئك الذين حملوا إلى إنجلترا صوت المصريين مطالبين بالاستقلال، مشهد كهذا وحده يكفي لأن نعرف من هو عبد العزيز فهمي، وكيف كان يرى نفسه أمام وطنه.
لكن ما يستوقفني أكثر، وربما يبقى أعظم ما قدمه هذا الرجل لمصر، هو مشروع الدستور الذي وضعه سنة 1920 في باريس. تخيل معي رجلا من الشرق يجلس في قلب أوروبا بعد الحرب، يقرأ الدساتير واحدا واحدا، يفتش في التجارب، يلتقط من هنا فكرة ومن هناك مبدأ، ليصوغ لمصر دستورا حديثا يبني على تراثها ويتطلع لمستقبلها.
لم يكن مجرد عمل قانوني بارد، بل كان عملا وطنيا محضا، مشروع سبقت فيه مصر نفسها، وسبق فيه الرجل عصره، حتى وإن لم يكتب له أن ينفذ كله، فقد بقي علامة على وعيه ونظرته العميقة للدولة والقانون والحقوق.
وقد يختلف البعض مع مواقف سياسية اتخذها في بعض مراحل حياته، وقد يختلف البعض مع رحيله عن الوفد أو اقترابه من الأحرار الدستوريين، لكنها خلافات لا يمكن أن تمس جوهر الرجل ولا نقاء دوافعه.
السياسة بطبيعتها متقلبة، والرجال الكبار لا يقاسون باللحظة، بل بمجموع المسار، ومسار عبد العزيز فهمي كان دائما مرتبطا بفكرة واضحة: أن مصر تستحق دولة قانون تليق بها.
ولعل أجمل ما قيل عنه كان يوم تأبينه، حين وقف طه حسين ليقول إنه لم يجد من يناقشه في الشعر الجاهلي كما كان يناقشه عبد العزيز فهمي، وأنه لم يجد من يضيء له ظلمات الشعر العربي كما فعل الرجل.
أي عقل هذا الذي يجمع بين القانون والشعر، بين النصوص الجافة واللغة التي تحيي الوجدان؟ وأي إنسان هذا الذي يقول عنه السنهوري إنه كان يخضع العقل لقلبه، فيصبح قريبا من كل الناس، كأن قامة القانون فيه لا تنفصل عن رهافة الإنسان؟
ثم تأتي محطة محكمة النقض، وهي المحطة التي تكاد تختصر عبقرية الرجل، يكفي أنه من اختار اسم «محكمة النقض» مستلهما آية قرآنية، وكأنه أراد للعدل أن يكون له جذر أخلاقي وروحي قبل أن يكون له نص مكتوب.
وكان أول رئيس لها، صاحب الكلمة الشهيرة في افتتاحها، تلك التي تحدث فيها بصدق نادر عن ضرورة وجودها، وعن أن العدل لا يكتمل إلا بوجود محكمة تعيد الأمور إلى نصابها حين يخطئ البشر، لأن الإنسان مهما علا لا يدعي العصمة.
وليس غريبا أن يكرم الرجل بأرفع الأوسمة، ولا أن تطلق الشوارع والمدارس اسمه، ولا أن يظل جزءا من ذاكرة القانون في مصر، فالأوسمة مهما كثرت لا تساوي شيئا أمام إرثه الحقيقي: الإرث الذي يتمثل في طريقة فهمه للعدل، وفي إيمانه بأن القانون ليس مهنة، بل رسالة.
إن الحديث عن عبدالعزيز باشا فهمي ليس مجرد سرد لسيرة رجل رحل قبل عقود، بل هو استدعاء لروح وطنية صادقة نفتقدها اليوم، روح تقول لنا إن مصر كانت وما تزال قادرة على إنجاب رجال يقفون في وجه الاحتلال، ورجال يصيغون دستورا قبل أن يكون لدينا برلمان مستقر، ورجال يتعلمون في الأزهر ويتقنون الشعر الجاهلي ويضعون قواعد لمحكمة النقض في الوقت نفسه.
لقد رحل الرجل سنة 1951، لكن أثره لم يرحل، وأعتقد أن ما نحتاجه اليوم هو شيء من تلك الروح؛ روح الإيمان العميق بالعدل، روح الوطنية التي لا تبحث عن منصب، وروح الانتماء الذي يجعل الإنسان يرى مستقبل بلده قبل مستقبل نفسه، عبدالعزيز باشا فهمي لم يعد موجودا بيننا، لكن مصر التي حلم بها لا تزال تنتظر من يكمل طريقه.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض