رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حلت فى الرابع من نوفمبر الجارى، الذكرى السادسة والعشرون لوفاة « اسحق رابين» رئيس وزراء إسرائيل الذى جرى اغتياله فى تل أبيب فى الرابع من نوفمبر 95 خلال مهرجان خطابى مؤيد للسلام فى ميدان ( ملوك إسرائيل ) عندما أطلق اليهودى المتطرف» ايجال أمير» النار على رابين وكانت الإصابة مميتة إذ فارق الحياة يومها على الفور. تستدعى لى الذكرى زيارتى لإسرائيل فى سبتمبر94. رغم أننى لم أتخيل يوما أن تكون وجهتى صوب هذا الكيان الغاصب الذى داس على القرارات الدولية ونسج سياسة عدوانية ضد دول المنطقة.

فى الأسبوع الأول من سبتمبر 94 قام عمرو موسى وزير الخارجية وقتئذ بزيارة رسمية إلى إسرائيل. وساقتنى الظروف لأكون ضمن الطاقم الصحفى المصاحب له بعد أن أقنعنى الوزير بالذهاب ضمن الطاقم بعد أن ترددت فى البداية، فأنا كارهة لإسرائيل ولطالما هاجمتها فى مقالاتى فى العديد من الصحف العربية وعبر هيئة الإذاعة البريطانية. أقنعنى الوزير بالذهاب لأنه قد تتاح لى فرصة اجراء لقاءات مع ساستها وعندئذ يمكن أن أجابههم بكل ما لدى من نقد لمواقفهم إزاء قضايا الشرق الأوسط. وكان أن ذهبت، وهناك أتيحت لى بالفعل إجراء لقاءات مع كل من « عيزرا فايتسمان» رئيس الدولة، و» شيمون بيريز» وزير الخارجية، أما مسك الختام فجاء بلقائى مع» اسحق رابين» رئيس الوزراء، ومن أهم الشخصيات الإسرائيلية التى لعبت أدوارا مهمة فى تاريخ الصراع العربى الإسرائيلى. يوم اللقاء جمعت أمرى على أن أهاجمه عبر أسئلة استفزازية لا سيما بعد تصريحات كان قد أدلى بها فى يوليو من نفس العام هدد فيها سوريا بشن حرب مستعرة ضدها. عندما علم السفير «محمد بسيونى»ــ سفير مصر لدى إسرائيل وقتئذ ــ بأننى سأجرى لقاء مع رابين حذرنى يومها قائلا: ( تجنبى توجيه الأسئلة الاستفزازية، فرئيس الوزراء رابين معروف بأنه عصبى وقد ينهى اللقاء عندئذ.

ذهبت للقاء رابين فى مكتبه بالقدس. استقبلنى فى الصباح المبكر مرحبًا. تعمدت أن أظهر بأننى مترددة فى بدء اللقاء، وبأننى متوترة ليبادر فيسألنى عن سبب توترى. وهنا قلت له: ( هناك أمران. الأول تم تحذيرى من توجيه أسئلة استفزازية لك حتى لا تنهى اللقاء، والأمر الثانى أن مدير مكتبك حدد لى الوقت الذى لا اتجاوزه وهو نصف ساعة). وهنا ابتسم رابين وقال: ( سلى ما شئت واطمئنى فلن أنهى اللقاء، وخذى ما شئت من الوقت). لقد رأيت رابين فى صورة مختلفة كلية عن الصورة التى رسمتها له فى السابق. كان ودودا.. مسالما.. قمة فى التواضع، ويكفى أنه منحنى الوقت الكافى لإجراء الحديث الذى نشر فى الأهرام فى العاشر من سبتمبر 94. ودار أغلبه حول تصريحاته ضد سوريا وتحذيراته من أنه سيقترح سلم الأولويات وسيرصد أموالا طائلة لجيش الدفاع كى يستعد لشن حرب ضدها. وقلت له:( تصريحاتك تشير للوهلة الأولى بأنك لم تغير ثوبك العسكرى العدوانى، وإنك لا تزال تمارس دور الجنرال فى غرفة العمليات وليس رئيس الوزراء الذى يمارس دورا سياسيا فى ظل نظام دولى يرتدى ثوب الشرعية الدولية)؟. وأجابنى، فعرض لتفسير ما الذى قصده تحديدا بتصريحاته تلك فأكد: ( بأنه يريد أن يوجه عبر اللقاء الصحفى الذى أجريه معه رسالة مفتوحة للرئيس الأسد بأن إسرائيل تريد السلام حقا، وترغب فيه مع سوريا، وأن السلام فيه الخير لكليهما، ويعلن عن استعداده للسفر فورا إلى دمشق إذا ما سمحت له سوريا بذلك إثباتا لحسن النوايا وفتحًا لصفحة جديدة معها).

وتطرق اللقاء إلى القرارات الدولية والتى أطاحت بها إسرائيل، وإلى ما قيل يومها عن اتصالات سرية بين إسرائيل والعراق والتى نفاها رابين وأكد أن إسرائيل تؤيد السياسة الأمريكية القائمة على احتواء وكبح جماح الدولتين معا العراق وإيران. وفى معرض الحديث عن معاهدة حظر الانتشار النووى وإمكانية قبول إسرائيل بالرقابة على مفاعلها ؟ أعرب رابين عن أن إسرائيل تؤيد أن تكون المنطقة خالية من الأسلحة النووية، ولكنها ليست مع الاشراف الدولى ولا تؤمن به. وتحدث عن أن ما تركز عليه إسرائيل هو التوصل إلى سلام، وبعد ذلك تدعو إلى أن تبادر جميع دول المنطقة إلى توقيع معاهدات ثنائية مع إسرائيل تنص على أن يكون الشرق الأوسط نظيفا من الأسلحة النووية، ويتم ذلك وفق نظم مراقبة واشراف ثنائى متبادل بين كل دولتين ( إسرائيل ومصر، إسرائيل وسوريا وهكذا تكون الرقابة ثنائيا وليس عن طريق الرقابة الدولية.

لقد شعرت يوم لقائى برابين بأنه ربما كان أكثر ساسة إسرائيل توجهًا نحو السلام، ولا ينسى له الدور الذى لعبه فى معاهدة» أوسلو» للسلام التى أنجبت السلطة الفلسطينية وأعطتها السيطرة الجزئية على كل من قطاع غزة والضفة. لهذا صوب هذا الصهيونى الهستيرى المتطرف» إيجال عامير» رصاصاته الغادرة فى 4 نوفمبر 95 على اسحق رابين فى تل أبيب ليلقى حتفه فى الحال، ويسدل الستار على رئيس الوزراء الذى كان يمكن من خلاله ومعه أن يتم حل القضية الفلسطينية على أساس الدولتين فى فلسطين التاريخية. دولتان تعيشان جنبًا إلى جنب.. دولة فلسطين إلى جانب دولة إسرائيل وفقا لما تم إقراره فى قرار مجلس الأمن 242. إنه رابين الذى أستدعى اليوم قصة لقائى معه، فلقد ترك لى يومها انطباعات مغايرة تختلف كلية عن تلك التى رسمتها له من قبل وكرهته من أجلها. ولكن اليوم حزنت على فقده بعد أن أعطى الانطباع بسعيه نحو السلام والذى كان من الممكن أن يتحقق إذا ظل رابين على قيد الحياة.