رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الموجة الثانية من جائحة «كورونا»، لا تفرق كثيراً عن قرينتها الأولى فى أوائل عام ٢٠٢٠، الفرق الوحيد الذى يمكن أن يستوقفنا يكمن فى استراتيجية الدولة بشأن التعامل مع الأزمة، التى بدورها كانت وما زالت متأثرة بطريقة تناول المجتمع الدولى للأزمة، وسبل إدارتها، فقد صدر المجتمع الدولى والعالمى لنا جميعاً الخوف من المجهول، نعم كان خوف القادة عالمياً ومحلياً هو المحرك الأساسى لموقف شعوب العالم من الشبح المعتم «كورونا»، والمحرك الأول والأخير لتبنى سياسة غلق الأبواب وكتم الأنفاس.

لكن هذه السياسة الجاهلة التى تبناها العالم كان الوجه الأول لعملة تسمى الخوف من الوباء الزاحف، صاحب أبشع صورة ذهنية عاشها الجيل.

أما عن الوجه الثانى لعملة الخوف من «كورونا» فتتصدر أحداثه بطولة هذا الرجل البسيط، وتلك المرأة المنكسرة فهما لا يعبآن بكورونا ولا غيرها من الأمراض ليمثلا شريحة ليست بالقليلة من الشعب المصرى تصل نسبتها لـ٢.٧٪ جميعهم تحت خط الفقر.

نعم هذه المرأة التى تجلس أمام منزلك عزيزى القارئ التى تجلس على التراب أسفل الرصيف بين السيارات والأقدام لكى تبيع لك الليمون أو الحلويات وغيرها من البضائع البسيطة، راجية من الله أن تسبق الزمن قبل موعد الحظر الذى كان مفروضاً عليها وهى غير عابئة بالحظر ولا بدواعى فرضه عليها، بل كل ما يهمها جمع بعض الجنيهات التى تكفى لتوفير طعام أبنائها لليلة واحدة على الأقل، هى تمثل مئات بل آلافاً من النساء اللواتى بقين فى منازلهن عنوة بسبب الكورونا لا يطمحون إلا للقمة العيش، وأصحاب «عشانا عليك يارب» من الرجال الذين لا يملكون غير صحتهم للجرى فى شوارع المحروسة وراء لقمة العيش، كان هذا المشهد هو الأهم فى جائحة كورونا أبطاله من مختلف أطياف الشعب المصرى هم الأشجع، فهم لا يخشون الموت لكن يخشون الجوع، يخشون عويل عجائزهم وصراخ صغارهم، ولوم نسائهم إذا ما استسلموا لهذا القهر.

لذا فى الموسم الثانى من جائحة كورونا- هذه الأيام- الذى تخلى فيه العالم عن سياسة غلق الأبواب وكتم الأنفاس بالقوة، والاكتفاء فقط بنشر الوعى ودعاوى التحذير، تجد الصورة أوضح فى الشارع المصرى، فهذا الشعب بكل أطيافه لا يعبأ بالموت، لا يرتدى الكمامة إلا للضرورة الإجبارية، من بعض الجهات الحكومية، ينخرط فى صراع الحصول على لقمة عيشه دون أى حذر، وإن كنت لا أشجع ذلك إلا أننى ألتمس له العذر، وينتابنى الخجل بأن أوجه له اللوم، فله الله، يعيش حياة طاحنة تلوث وضوضاء وفقر وصراعات ليس لها أول من آخر.

لذا، فالحذر يا سادة من الوباء رفاهية يصعب على الشعب المصرى الالتزام بها نفسياً، ولتأهيله نفسياً للتخلى عن اللامبالاة، بشأن الحذر من كورونا لابد أن نتمعن فى ظروفه المادية والصحية والعملية، التى تعانى من زمن طويل وما زالت تمرض وتتورم دون حل يذكر، ما يجعله لا يأبى الموت ويعتبر «الحذر من الوباء» رفاهية لا يمكن أن يتمتع بها، فرفاهية الحذر من كورونا تتطلب التباعد الاجتماعى، والتباعد الاجتماعى يعنى عدم استخدام المواصلات العامة- تحت الأرض وفوق الأرض- المتكدسة بمئات البشر، واستقلال سيارات خاصة بدلاً منها، وهو الشىء المستحيل للمواطن العادى فوق المتوسط والمتوسط والفقير، كما أن رفاهية الحذر وتحاشى العدوى تحرم فرصة اللجوء إلى الرصيف كاستراحة مجانية للهائمين فى سبيل الرزق يومياً، إضافة إلى أنها تكلفهم كمامة كل يوم بخمسة جنيهات وهى حسبة مائة وخمسين جنيهاً شهرياً لكل فرد فى الأسرة، وإذا كان متوسط الأسرة أربعة أفراد على الأقل فتصبح التكلفة على عائلها ستمائة جنيه «يا لها من رفاهية يستخسرها الفقير فى شىء غير الطعام» هذا إضافة إلى ثمن الكحول والمطهرات لزوم الحذر وتجنب العدوى كلما تلامست أيدى المطحونين بأسطح صلبة فى الشارع أو فى حالة إلقاء حمل جسده دقائق على حوائط الأزقة وزوايا الدروب، ومن دواعى الرفاهية أيضا ألا يتناول الرجل الشقيان طعامه من «عربية الفول إياها» وما أدراك ما عربية الفول وأهميتها لذا المواطن المصرى البسيط رجل كان أو امرأة أو  طفلاً- وهى حقيقة يجب الاعتراف بها، فالأطفال جزء من القوى العاملة العشوائية فى مصر- فعربة الفول المذكورة بالنسة للمصرى هى ملاذه الحنون عندما يقرسه الجوع وخاصة حينما يستعين بطعامها «شكك» فى الصباح أو وسط النهار، ولا يخفى على أحد أن عربة الفول والقائمين عليها لا تعير الوباء فى عرفها أى اهتمام، ولا تؤثر ثقافة الحذر والوقاية من كورونا إطلاقاً على بروتوكولها الخاص بتقديم طبق الفول والبصل للمواطنين، كما يجب على الرجل البسيط صاحب مقولة «كله على الله» وأهمهم العاملون على جمع القمامة أن يضربوا عن العمل، خوفاً من الإصابة أو خوفاً من الموت هذا إذا توفرت لديهم رفاهية الحذر من الوباء، وكذلك العاملون فى مجال النظافة فى كل الهيئات لأنهم أكثر عرضة للعدوى، كما يجب على هؤلاء البقاء فى منازلهم كما يفعل الأغنياء رافعين شعار الحذر من كورونا ويكتفوا بمشاهدة الأفلام الهندية والمسلسلات التركية ومتابعة المغامرات العاطفيه للفنانين والفنانات، ليفيقوا أخيراً على كابوس الجوع والتعثر.