رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تأملات

 

ربما أكون مغاليا فى هذه السطور إذا أشرت مجددا إلى فيلم كنت قد ذكرته فى مقالات لى من قبل وهو «النوم مع العدو» وهى إشارة، فى ضوء تكرارها أكثر من مرة تكشف عن إعجاب كبير بالفيلم أو على الأقل بفكرته والتى أراها عبقرية رغم أن الكثيرين قد لا يرون ذلك. وللتذكير أشير إلى أن الفيلم يحكى عن تحول فى علاقة زوجة مع زوجها التى تنفر منه إلى حد تغير نظرتها له ليصبح بمثابة العدو حسب عنوان الفيلم. ورغم أن البعض قد يشير إلى عدم غرابة الفكرة فى ضوء أن العداوة قد تمتد لتقوم بين أفراد الأسرة الواحدة، الأب والابن، الأم والابنة، أو حتى بين الإخوة، إلا أن خصوصية العلاقة بين الزوج وزوجته وبما تتسم به من حميمية وصفها الله سبحانه وتعالى بأنها نوع من «السكن» ربما تكشف عن غرابة التحول السلبى فى أن يصبح الزوج أو الزوجة عدوا فى منظور الطرف الآخر.

بقدر استغرابى لهذا النوع من التحول، لا أستطيع أن أمنع نفسى من استغراب الحالة التى ربما تمثل «الحالة الضد» أو النقيض وهى «التماهى مع العدو»، وهى حالة ذات دلالات عديدة على الانهزام الذاتى وفقدان الانتماء، فضلا عن الإحساس بالضعف والنقص أو العوز فى مواجهة هذا العدو. لتوضيح الفكرة أشير إلى أن تلك الحالة فى رؤيتى لها فى حدود تلك السطور هى التى يتحول معها المرء إلى تبنى أطروحات عدوه والدفاع عنها وتقديمها باعتبارها تعبر عن الحق والحقيقة فى مواجهة أطروحات وطنه وبنى وطنه.. هى حالة تتحول فيها الحميمية المفترضة بين الزوج وزوجته فى المثال المشار إليه إلى حميمية قائمة فى العلاقة مع العدو رغم أن منطق الأمور يشير إلى أن مثل هذا التحول يبدو غير متصور وغير مقبول وأنه قد يمثل علاقة شاذة لم يكن لها بأى حال من الأحوال أن تتطور إلى مثل هذا الوضع! على غرار علاقة الزوج والزوجة التى يقتضى المنطق ألا تتحول إلى علاقة «نوم مع العدو»!

على هذه الخلفية التى ربما تكون قد طالت بعض الشىء، وهى إطالة لها ما يبررها، أتصور أن من يتأمل بدقة المشهد المصرى العام على الصعيدين الفكرى والسياسى على مدى سنوات العقد المنصرم وحتى اللحظة ربما سيسهل عليه أن يلحظ تنامى ما يمكن وصفه بظاهرة «التماهى مع العدو» إلى الحد الذى قد يكون معه مسوغ لضرورة الدعوة إلى البحث فى أسباب انتشار مثل هذه الظاهرة على الأقل من وجهة نظر من يشير إليها!

بعيدا عن سياسات مصر السلمية، والتى توفر لها مناخا من العلاقات الودية، فإن أى دولة فى أى مرحلة من مراحل تاريخها لابد أن يكون لها أعداء وخصوم وهو أمر طبيعى بالنسبة لدولة مثل دولتنا. اذا استبعدنا السياق الدولى من التناول وركزنا على السياق الإقليمى باعتباره المجال الخصب للخصومات والعداوات، فإننا يمكن أن نحصر أعداءنا حسب جوهر القضية محل العداء فى أربع دول أساسية هي: إسرائيل وأثيوبيا وتركيا وإيران، أما الخصوم على خلفية قضية أو أخرى فهم كثر قد يكونون من بين الاشقاء سواء أقربهم إلينا فى الخليج أو الشام أو أبعدهم فى المغرب.

فى حدود التمثيل لما أود الإشارة إليه نتطرق هنا لما يمكن الحديث عنه فى سياق الأعداء دون الخصوم لما لذلك من محاذير ونكأ لجراح ربما لا يكون مطلوبا نكؤها! خذ مثلا على صعيد الصراع مع إسرائيل العدو الأول فى منظور الأمن القومى المصرى – دعك هنا من أية أقوال أخرى – فإنه من تحليل مضمون توجهات البعض ممن ينغمسون فى تناول هذه القضية قد يبدو لك من الغريب تبنى هؤلاء لأطروحات اسرائيل بشأن مجريات الأحداث ومآلات الصراع حتى يكاد يتصور البعض ممن هم على غير معرفة بالقضية أن الشعب الفلسطينى ذاك شعب مشاغب ومتعنت ويرفض النعمة التى يجود بها الإسرائيليون عليه ويتمسك بوهم اسمه المقاومة لنيل حقوقه! حتى لو أخذنا بما يراه البعض من شيطنة حماس، فإنه مما قد يصيبك بالدهشة أن سهام النقد تنال حتى عباس ورفاقه لأنهم يبدون الرفض للانسياق فى المسار الإسرائيلي.

أما على صعيد أثيوبيا، والتى ربما تكون المثال البارز والأهم خاصة على صعيد الجدل الحاصل بشأن طبيعة تأثيرات سد النهضة على أمن مصر المائي، فقد يكون من الأمور التى يصعب على المرء تصورها وليس فقط تقبلها محاولة البعض تلمس المبررات لتلك الدولة فى ممارسة أساليب بالغة التعنت على نحو بدا مستفزا. ومن الغريب أن نفرا من هؤلاء من بنى جلدتنا ويأكلون من طعامنا يتلمسون الحجج للموقف الأثيوبى والتعنت الذى يمارسه للإفلات من استحقاقات المفاوضات. ربما يتصور هؤلاء أنهم يعبرون عن الدولة المصرية والتى من المؤكد أنها ليست فى حاجة إليهم للتعبير عنها وأنها تملك رؤيتها الخاصة لإدارة القضية.

انظر حولك ولن تعدم أمثلة كثيرة تتعلق بالأرض وغيرها مع الخصوم قبل الأعداء وستجد نفسك تتساءل: بأى ضمير يتحدث مثل هؤلاء؟ بقدر تعدد الإجابات بقدر ما يمكن أن يتاح لنا من أمل فى تصحيح هذا الوضع الذى يفترض ألا يوجد أصلا، فضلا عن أن يطول!!

[email protected]