رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تأملات

فكر طه حسين معين لا ينضب، يمكنك أن تجد فيه الكثير مما يغذي العقل ويثري الفكر، بحكم موسوعيته وتكريس الجانب الأكبر من حياته للعلم والبحث وتقديم ما هو جديد. وفي هذا الإطار يكشف لنا كتاب تحت عنوان «الديمقراطية»-  أعده وقدمه الأستاذ إبراهيم عبدالعزيز ونشر ضمن إصدارات مكتبة الأسرة - عن بعد بالغ الأهمية في هذا الفكر يتجاوز القراءة السطحية ليس لما قدمه هو فقط وإنما لما قدمه عدد من رموز جيله من أدبيات إسلامية وإن كان طه حسين يحتل الصدارة في هذا الخصوص.

يفسر لنا «عبدالعزيز» في الكتاب الذي جمع فيه كل ما قدمه وكتبه طه حسين حول موضوع الديمقراطية أسباب لجوء طه حسين إلى التاريخ والكتابة فيه بإسهاب، مشيراً إلى أن اليونانيات والإسلاميات عند طه حسين لم تكن مادة لكتابة التاريخ ولم تكن غرضاً من أغراضه بل كانت وسيلة وأداة وظيفية. كان غاية طه حسين من ذلك، حسب الكتاب، إصلاح الفساد السياسي الذي شهدته مصر في ذلك الوقت ومقاومة الاستبداد الذي كان مسيطرا على الحياة السياسية.

كان جانب مما كتب طه حسين موجهًا ضد السياسات المقيدة للحرية والمنافية للديمقراطية فيما قبل 52 وقد كان لأزمة الحريات آثارها فيما يتعلق بحرية التفكير والتعبير، حيث آثر بعض الكتاب العاقبة فقلت عنايتهم بالسياسة ولكن آخرين آثروا الثبات على مواقفهم وأخذوا يتدبرون أمرهم والسبيل إلى التوافق بين هذا الوضع الجديد وبين ما كانوا يؤمنون به. ومن هنا انعكس ذلك في ظهور الإنتاج الرمزي يكتبه أصحابه دون أن يتعرضوا فيه للسياسة المصرية من قرب وإنما يدورون حولها دوراناً بعيداً جداً ويعارضون القائمين بشئون الحكم معارضة لاذعة وهم يكتبونه لا يريدون منه ظواهره بل يريدون بواطنه ولا يفهمه كل الناس بل يفهمه الأذكياء منهم ولكن أثره يمسهم جميعا ولا تدرك السلطة مغزاه إلا في القليل النادر.

في هذا الإطار الرمزي أيضاً جاءت إسلاميات طه حسين وفي هذا الصدد يشير «عبدالعزيز» في الديمقراطية إلى أنه في كتابات طه حسين على هامش السيرة مثلاً مواقف تثير انتباه القارئ المتمعن وتدعوه إلى التأمل وأغلبها جاء على لسان الفيلسوف الحائر. ومن ذلك قوله : «إني ضقت بحياتكم هذه البغيضة التي لا سماحة فيها ولا يسر، تضييق على الناس في حياتهم وفي سيرتهم وفي أحاديثهم وفي نجوى ضمائرهم، من الذي أباح لكم أن تنفذوا إلى نفوس الناس وضمائرهم»؟، يقول «عبدالعزيز»: ولك أن تضع هذا الكلام على لسان طه حسين فذلك هو موقفه من إسماعيل صدقي!!

ويفسر معد كتاب الديمقراطية سبب لجوء طه حسين إلى ذلك بقوله إن الأخير في إسلامياته المختلفة اتخذ التاريخ وسيلة إلى أهدافه في الإصلاح السياسي والاجتماعي. ويجد ذلك تعبيره بشكل واضح فيما قاله طه حسين نفسه.. «إن الخير كل الخير للرجل الحازم الأريب أن يفر بقلبه وعقله وضميره من هذا الجيل فإن أعجزه الفرار إلى بلاد أخرى فلا أقل من أن يفر إلى زمان آخر من أزمنة التاريخ».

المؤسف أن كفاح طه حسين لخدمة المشروع السياسي النهضوي لبلاده لم تؤت ثمارها سواء على الواقع أو على مستوى تصوره هو لهذا الواقع فكانت عبارته البليغة والمؤثرة التي راح يقول فيها: «ما يزال البلد متخلفاً وفقيراً ومريضاً وجاهلاً، فنسبة الأميين كما هي ونسبة المثقفين تتناقص بسرعة تدعو للانزعاج، يخيل إليّ أن ما كافحنا من أجله هو نفسه مازال محتاجاً إلى كفاحكم وكفاح الأجيال المقبلة بعدكم.. أودعكم بكثير من الألم وقليل من الأمل». وكأن التاريخ يعيد نفسه بصيغ وأشكال مختلفة. 

[email protected]