رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تأملات

استميحك عذرا – عزيزى القارئ–عن هذا العنوان الذى قد ترى أنه يفقدك الامل رغم أن كل الأمور من حولك تفجر فيك طاقات هذا الأمل، وتؤكد أننا نسير وبسرعة الصاروخ إلى عتبات التقدم.

لن استطرد كثيرا وسأقدم لك حالة واحدة يمكن أن تحكم بعدها على صحة موقفى من عدمه، وهى حالة بسيطة قد لا تستحق من وجهة نظر الكثيرين أى قدر من الاهتمام غير أنها حالة كاشفة، إنها أقرب إلى ما هو معروف بما يسمى من قبيل السخرية والتندر «إدارة عموم الزير» إذا لم تعرف هذه الأخيرة ادخل على «جوجل» وأقرأها كاملة فالمجال ليس متاحا لتفاصيلها هنا.

يتلخص الأمر ببساطة فى شهادة مطلوبة من كل من يقوم بتوكيل عقارى أو اثبات تاريخ على عقد إيجار تسمى شهادة «الجهاز».. جهاز المدينة المرغوب استخراج الشهادة فيها، وتفيد هذه الشهادة أن العقار الذى يجرى التعامل عليه شقة كانت أم قطعة أرض أم غير ذلك لا تدخل ضمن إطار الإسكان الإجتماعى، والذى فرضت الدولة حظرا فى التعامل عليه منعا للمتاجرة به واستغلاله من قبل من حصلوا على شقق أو أراض تعتبر مدعومة من التكسب. وهذا أمر لا غبار عليه. بدأ الأمر بسيطا تذهب للجهاز تقدم أوراقك وبعد ساعة تحصل على الشهادة المطلوبة. غير أنه بمرور الوقت بدأ الزحام يتزايد وبدأت الإدارة تتوسع لدرجة أنها أصبحت تكاد أن تكون أهم إدارة فى جهاز المدينة.

ومع تشدد ادارات الشهر العقارى فى طلب هذه الشهادة إزداد الأمر تعقيدًا وأصبحت الشهادة لها طابع سحرى فى إنجاز المعاملات. مصدر الذهول والدهشة هنا أن الأمر على هذا النحو خلق جوا من الروتين الخانق الذى يعقد الأمور ويعرقلها ويضيف أعباء على الدولة وعلى المواطن نفسه، فى ضوء حقيقة أن مفهوم الإسكان الاجتماعى الذى يسرى عليه القرار بدأ منذ عام 2014، وهو ما يعنى بالبداهة أن أى معاملات تتعلق بإسكان قبل هذا التاريخ لا ينطبق عليها فكرة الإسكان الاجتماعى، وعلى ذلك فلو أن أوراق العميل تثبت أن العقار قائم قبل هذا التاريخ فإن الأمر لا يتطلب هذه الشهادة، ولكنك هنا تخاطب الريح ولا يوجد من يسمع لك. رغم أن الحل بسيط فكل ما هو مطلوب بيان لدى موظف الشهر العقارى بالمشروعات التى يتطلب الأمر شهادة لها وهى محدودة. عندما تخاطب موظف الشهر العقارى يقول لك أنا أطبق القانون، وعندما تخاطب الجهاز يقول لك الأمر يتعلق ببروتوكول بين وزارتى العدل والإسكان.

الأكثر مدعاة للدهشة ويجعلك تشعر بالدوار من فرط حالة الذهول أن موظفى الشهر العقارى يبدو أنهم ألغوا عقولهم تماما وأصبحوا يطالبون بالشهادة لكل من هب ودب، وإلا فما هى علاقة التعامل على محل فى «مول» تجارى كبير تم إنشاؤه قبل عشرين عاما بالإسكان الاجتماعي؟ ليس ذلك فقط بل إن إسكان الشركات الخاصة بما فيها «الكمبوندات» والتى ليس لها علاقة من بعيد أو من قريب بالحكومة ودعمها أصبح مطلوبا لها شهادة بأنها ليست ضمن الإسكان الاجتماعى.

ولأن الأمر سار على هذا النحو فقد تضخمت إدارة شهادة الإسكان الاجتماعى وتحولت الشهادة من مجانية إلى شهادة برسوم، وتحول الحصول عليها من ساعة أو إثنين إلى أيام. لا يقف الأمر عند هذا الحد وإنما تحولت إلى بؤرة لتخليق الفساد، حيث أصبحت الشهادة تحرر لمن يدفع اكثر رغبة فى الإنجاز وتجاوز فكرة الانتظار. بل أصبح يتم تحريرها على بياض لصالح قبضايات هذا المجال، لبيعها لمن يريد ليملأها بما يشاء، حتى لو تضمن ذلك اسكانا اجتماعيا، وبذلك ساهمت فكرة الشهادة فى أمرين : توليد مجال جديد للفساد، توليد مجال للتصرف فى الإسكان الاجتماعى الذى صدرت فكرتها أصلا من أجل حظر التصرف فيه.

لا تتعجب إذا قلت لك أن الأمر يمتد ويتسع ويتشعب ليمتد إلى ما يفوق الخيال، حيث أصبح بعض ضعيفى النفوس من «مخلصاتية» الشهر العقارى يجدون طريقهم لإنجاز المعاملة دون الحصول على الشهادة، وهناك ثمن محدد لذلك وهو مبلغ غير قليل، والأمر بالنسبة للمتعامل يستحق والمهم أن يتم الانجاز.. أليست الدولة هى التى أدخلتنا فى هذه الدوامة؟

بعد كل ما سبق هل تتخيل أن دولة يحكمها مثل هذه العقلية الروتينية ومثل هذا النوع من الفساد يمكن أن تتقدم؟ الإجابة متروكة لك.

[email protected]