رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تأملات

على مدى عدة مقالات تحدثت عن الديمقراطية وضرورتها وفلسفتها، حتى بدا لبعض القراء بأننى من المتيمين بها وأننى من المؤمنين بها بظهر الغيب، ورغم أن هذا صحيح إلى حد كبير، إلا أننى مع ذلك لست درويشا من دراويش الديمقراطية، وإنما أرى أنها ربما تكون أفضل النظم للحكم رغم يقينى بأن لها من السلبيات الكثير. لكن ميزة الديمقراطية أنها نظام للحكم له قواعد محددة وسمات معلومة لا يقلل منها أن يستفيد او يعمل على استغلالها من لا يؤمن بها أو لا يتمتع بأى ملامح ديمقراطية فى سلوكياته من الأصل.

فى تقديرى أن أفضل مثال على ما أود الإشارة إليه هنا هو حالة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.. ذلك أن أى متابع لمواقفه يمكن له بسهولة أن يلمس إلى أى حد تراجع هذا الرئيس بهيبة ووقار المنصب وهبط به إلى الحضيض، وهو الأمر الذى يذكرنى بوضعية الرئيس مرسى الذى أساء إلى منصب الرئاسة كثيرا وهبط به إلى مستوى لا يليق بقامة مصر، وهو ما أشرت إليه خلال وجود مرسى فى الحكم فى مقالة لى بجريدة الوفد.

 ورغم أن ترامب أتى إلى منصبه على أسس ديمقراطية إلا أنه يطيح بأبسط قواعدها، إنه رئيس شعبوى بامتياز، فج فى عباراته ومواقفه بشكل يدعو للخجل.. فلا هى من قواعد الدبلوماسية فى العلاقات بين الدول ولا هى من قواعد اللباقة فى العلاقات بين الأشخاص.

لم أتمن يوما أن أشهد انقلابا على الديمقراطية مثلما أتمنى أن أشهد انقلابا على ترامب، دعك من أن يكون ذلك بسبب مواقفه من القضية الفلسطينية ونقل عاصمة إسرائيل إلى القدس، وابتزازه للعرب واعتبارهم بقرة حلوبا، فهذه كلها سمات او سلوكيات ربما مارسها غيره من الرؤساء من قبل، وإنما أنا أنظر له هنا من منظور سلوكياته فى سياق النظام السياسى الأمريكي.

ورغم أن الكثيرين تحدثوا عن ملامح تراجع القوة الأمريكية وبدء انهيارها وهو حديث مضت عليه عقود، إلا أننى أرى فى مواقف الرئيس الأمريكى تجسيدا لهذه التوقعات بشكل يمكن أن تمثل معه فصلا من فصول هذا الانهيار والتراجع. كل ذلك رغم أن الأمريكيين انتخبوه بإرادتهم الحرة ودون أن يفرض عليهم أحد هذا الاختيار، ولعل ذلك يؤكد فرضية أن الديمقراطية قد لا تأتى فى كل الأحوال بالأصلح. هذا رغم إشارة البعض الى تدخلات روسية ساهمت فى تعزيز فرص نجاح ترامب، وهو أمر أكدت التحقيقات صحة جانب كبير منه.

من بين السلوكيات التى يمكن رصدها للرئيس الأمريكى وتمثل تجاوزا لأسلوب العمل مثلا إدارة السياسة الأمريكية داخلية أو خارجية من خلال شبكة التواصل الاجتماعى بتغريداته على تويتر، وهو أسلوب غير مؤسسى ويمثل تحولا فى آليات عمل النظام الأمريكي. ومن ذلك مثلا قراره بإقالة وزير الخارجية تيلرسون وتعيين بديل له، وهو الخبر الذى علمه تيلرسون نفسه من تويتر!!

ورغم ذلك ووسط حالات عدم ارتياح كبيرة فى اوساط الأمريكيين الرسمية وغير الرسمية على سلوكيات ترامب، إلا أن أمل إقصائه قبل حلول الانتخابات الرئاسية المقبلة يبدو أمرا غير وارد، فالنظام الأمريكى جامد فى تطبيق قواعده فى هذا الصدد، وآليات العزل محدودة ويشوبها قدر كبير من التشدد والتضييق إلى الحد الذى لا يصبح معه أمام الناخب الأمريكى سوى انتظار قدره بانتخابات مقبلة.

أذكر أنه خلال الغزو الأمريكى للعراق فى أوائل الألفية الثالثة انتابت العالم حمى مظاهرات منددة بالسياسة الأمريكية وبمواقف الرئيس الأمريكى بوش الابن، لدرجة لم تخل معها مدينة من مدن العالم من مثل هذه المظاهرات. الغريب أن هذه المظاهرات كانت أكثر سخونة فى الولايات المتحدة ذاتها.. وقتها سألت صديقا لى أستاذا فى العلوم السياسية كان يعيش فى الولايات المتحدة ويقوم على تدريس النظام السياسى الأمريكى عن إمكانية أن تسهم هذه المظاهرات فى الإطاحة ببوش من منصبه.. راح يبتسم لى وينظر لى باندهاش مجيبا بالنفي. وعندما سألته وكيف يواجه الأمريكيون هذه السياسات التى يرونها غاشمة.. راح يؤكد لى أنه عليهم انتظار الانتخابات المقبلة. عندما أبديت دهشتى راح بحكم مساحة الود بينى وبينه يجيبنى قائلا: إنها الديمقراطية يا غبي!!

[email protected]