تأملات
بداية وحتى لا يتم تفسير حديثي في اتجاهات شتى، فأنا من بين الذين لديهم انتقادات عدة على سياسات طارق عامر، صحيح أن ذلك لا يستند إلى أسس علمية بحتة، إلا أن موقفي يأتي انطلاقا مما نحصده على أرض الواقع.
ولكن هذا شيء وشعوري بأن الرجل انتقل بالمركز الذي يشغله نقلة نوعية شيء آخر. كنت حتى فترة غير بعيدة أتصور أن وظيفة محافظ البنك المركزي - وهذا جهل بالغ بالطبع لا يليق بمواطن عادي فما بالك بمن تتصور أو يدعي أن لديه قدرًا من العلم - هي مجرد البصمة أو التوقيع على النقود. من منا كمواطنين بسطاء كان يعرف اسم محافظ البنك المركزي سوى من الخمسة جنيهات أو الخمسين وغيرهما من العملات الورقية. غير أن عامر بتوليه المنصب أصبح ملء السمع والبصر، لا يوجد مواطن في مصر إلا ويتمتم باسمه ليل نهار سواء بالدعاء له أو عليه، وإن كان النوع الثاني هو الأغلب. لقد غزانا عامر، كما لم يغز نابليون مصر أو روسيا، دخل غرف نومنا حتى أصبح حديث الرجل وزوجته في كل لحظة وهمسة.
لا أدري هل من فرط ذكائه وقدراته الخاصة أم من أي شيء بالضبط، فاز عامر بمنصب محافظ البنك المركزي ليرتقي به إلى منصب رئيس وزراء غير رسمي.. أصبح الإعلام يرصد له كل نفَس وكل كلمة ، حتى أنه أصبح كنجوم السينما يتتبعه الصحفيون في حياته الشخصية.. ولِم لا واقتصاد مصر كله مرهون بما يجري في ذهنه، ليس بما في ذهنه فقط بل بما يحلم به في نومه!!
أحيانا أشعر بالانحياز له لأنه كان لي صديق بحريني في فترة غربة اسمه طارق «الـ.. عامر» كنت أحبه، فينعكس ذلك على مشاعري تجاه عامر المصري! وهذه هي المشاعر الإيجابية الوحيدة نحوه كصانع سياسة وليس شخصًا؛ فلست أعرفه وقد لا أعرفه! فضلا عن التفاؤل الذي يحمله لقبه وندعو به لبعضنا البعض خلال التزاور بأن «يجعله عامر».
حينما تنظر لما قام به عامر فسوف تجد أنه يستحق الضجة التي تثار بشأنه ومن حوله، فهو سابق في كثير من الأوليات في تاريخ الاقتصاد المصري.. هو أول مسئول في تاريخ مصر يرتفع بالاحتياطي النقدي إلى 37 مليار جنيه، بغض النظر عن محتويات هذا الاحتياطي، وهو أول مسئول منذ ما قبل الفراعنة يرفع سعر الدولار الضعفين في مواجهة الجنيه! هو أول مسئول ينجح في أن يجعل المصريين يكسرون ما يسمى بالبلاطة فيخرجون كل مدخراتهم ليضعوها في البنوك بسبب الفائدة التي تبدو غير منطقية اقتصاديا وهي العشرون في المئة، حتى أنه يمكنني القول إنه لو كان هناك جائزة على غرار نوبل لنجح عامر في نيل جائزة تجفيف السيولة لدى المصريين.
يحق لعامر أن يشعر بالفخر أو بالخجل – حسب الزاوية التي تنظر منها للحدث – أنه أول مسئول اقتصادي يقدم على حدث يؤرخ بما قبله وما قبله على غرار ما قبل الميلاد وما بعده، ما قبل الإسلام وما بعد الإسلام ، ما قبل أحداث سبتمبر وما بعدها، ما قبل التعويم وما بعده.
لست في محل محاكمة سياسات طارق عامر أو تمجيدها فذلك أمر تنوء به قدرتي، لكنني أستطيع أن أقول لك بكل ثقة إن عامر يمتلك الجرأة، وفي تخيلي هو كالبطل الذي نراه في الأفلام الأجنبية فوق سطح قطار ينحني بين الفينة والأخرى ليتفادى بين مسافة وأخرى الاصطدام بسقف الأنفاق.. فلو حدث ذلك الاصطدام لكانت نهايته. المشكلة أنه في واقعنا أن اصطدام عامر لا يمثل حادثًا شخصيًّا وإنما اصطدام لبلد بأكمله هو مصر.. ومن هنا فقط وعلى هذا الأساس أدعو الله أن يوفق عامر خوفًا على مصر وشعبها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض