رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

تأملات

الدول مثل البشر لها وجوه متعددة وليس وجه واحد.. فبقدر الوجه الجميل الذى تبدو عليه أمريكا مثلا لجهة الحرية، فإن لها وجها قبيحا يتمثل فى افتقاد العدالة فى تعاملاتها الدولية. على المنوال ذاته فإنه إذا كان لكوريا الشمالية، فى منظورنا بفعل سيطرة الإعلام الغربى، وجوها غير مستحبة كثيرا، فإن من أبرز وجوهها الأخرى فهم واستيعاب منطق القوة الذى تقوم عليه علاقات الدول فى نظامنا الدولى المعاصر.

 قد تكون حياة المواطنين فى الداخل جحيما لا يطاق، وقد يكون النظام ديكتاتوريا بامتياز على نحو لا قبل للبشر به، وقد تكون الأوضاع الاقتصادية بالغة الصعوبة والعيش هناك على الكفاف، وقد يكون وقد يكون.. غير أن المرء لا يمكن أن يخطئ فى تقديره أن كوريا الشمالية تمثل عاملا ينغض على الولايات المتحدة ليلها ونهارها، وأنها تستعصى على التطويع رغم كل الأساليب والحيل التى لجأت إليها واشنطن من أجل إدخال بيونجيانج بيت الطاعة.

من هذه الناحية تحديدا تستحق التجربة الكورية الشمالية منا كعرب تحديدا الاهتمام والدراسة. كيف استطاع الحاكم القابع فى بيونجيانج رغم ديكتاتوريته أو بفضل تلك الديكتاتورية.. لعب ذلك الدور وبهذا التميز والامتياز؟ والميزة هنا ان الأنظمة العربية لن تجتهد كثيرا فى اكتساب تلك الصفة الأخيرة – الديكتاتورية - باعتبارها كامنة وأصيلة فى مكوناتها.

وما يستدعى تلك المقاربة أننا أصبحنا كعرب نهبا ومطمعا لكلاب السكك، وأوضاعنا التى لا تسر تنأى عن الحصر، وآخرها قراب ترامب باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، والتى لم تشهد ردود فعل عربية فعلية تصب فى خانة إجبار الرئيس الأمريكى على التفكير فى العدول عن قراره. 

دراسة تجربة كوريا تقدم لنا الكثير من الدروس.. فعلى الرغم من العقوبات العسكرية المفروضة عليها منذ سنوات، إلا أنها تمكنت، من دعم برنامج تسلحها الضخم فضلا عن ارتفاع ناتجها المحلى العام الماضى بسنبة 3.9% عام 2016 مقارنة بالعام الذى سبقه. ورغم مساعى الحصار إلا أن بيونجيانج نجحت فى نسج شبكة من العلاقات الدولية ليس مع الصين فقط بل مع دول الشرق الأوسط ذاتها أيضا، بما يمكنها من الالتفاف على أى مساع لخنقها.

وحسب تقرير يرصد الموقف من كوريا فإن الحديث الغربى عن تنامى المعارضة لكيم واحتمال وقوع ثورة ضده قريبا ليست إلا ضربا من ضروب التمنى.. بل إن بعض التقارير تشير إلى أن شعبيته تفوق شعبية والده الذى عاشت البلاد فى ظل حكمه أسوأ سنوات المجاعة والقحط.

وعلى ذلك قد يبدو لنا سذاجة بعض المحاولات التى تسعى لتصوير كيم على أنه رجل أبله لا يدرك عواقب ما يفعله.. ذلك أن نظام بيونجيانج يؤمن مثلا بأن أفضل وسيلة لمواجهة الآخرين هو أن تملك ما تخيف به الآخرين عن مهاجمتك.. السلاح النووى، السلاح الذى يوفر لبلاده أقوى ورقة مساومة فى مواجهة الغرب وأمريكا تحديدا.. ولذلك تجد بمنظور المقارنة مثلا أن ترامب الذى يستأسد على العرب ويضع «قدما على قدم» فى مواجهة حكامهم – فى دلالة رمزية على العنجهية، نجده هو نفسه الذى يدعو كوريا الشمالية للجلوس إلى طاولة التفاوض ومناقشة موضوع التخلى عن الأسلحة النووية حتى أن المرء ليخال أن أقصى أمانى ترامب خلال حكمه، هى ذاتها الأمنية التى لازمت الراحل رابين بشأن غزة، بأن يصحو وينام فلا يجد دولة اسمها كوريا الشمالية على ظهر الأرض.

هكذا تدار علاقات الدول، بمنطق القوة وليس جبر الخواطر.. فذلك الأخير – فى عرفنا وتقاليدنا – على الله.. وعلى الله فقط!

[email protected]