رحم الله الدكتور «يحيى الجمل» الذى رحل عن دنيانا بعد رحلة طويلة من العمل السياسى والنضالى، فى المجال القانونى الذى ترك فيه بصمات عديدة فقد كان شخصية استثنائية، فقيها قانونيا يتمتع بخبرة واسعة وعمر مديد وتجارب عميقة مغلفة بقيم التعايش والمحبة والتسامح، كان يرى أن ثورة 19 هى التى قادت حركة التنوير فى مصر وأنجبت الحركة الفكرية والفلسفية والمسرحية، وانه ابن تلك المرحلة الليبرالية، ولكنه أصبح ملكا لمصر ولشعبها.. عين الدكتور «الجمل» عضوًا فى أمانة الشئون العربية التى ضمت مستشارى الرئيس «عبدالناصر» وعضوًا فى التنظيم الطليعى، ثم عين مستشارًا ثقافيًا فى باريس، ثم فى الوزارة التى ترأسها الرئيس «السادات» ثم وزيرًا لشئون مجلس الوزراء فى وزارة الدكتور «عبدالعزيز حجازى» ثم عاد إلى الجامعة أستاذًا وكان يقول: إنه حرص على أن يظل بالجامعة التى لم يكن يعدل بها مكانًا آخر.. وكان يضحك قائلاً: إنه عندما كان فى مجلس الوزراء نظر إلى جميع الوزراء بمن فيهم رئيسها فتبين له أنهم جميعًا كانوا أعضاء فى التنظيم الطليعى فيماعدا وزير الطيران حينها.
ورغم أنه كان يحب أن يعلن لى أنه أكبر ناصرى فى العالم، إلا أنه قال: «السادات» لم يقاطع الناصريين نهائيًا بعد أحداث 15 مايو بل كان يمد لهم يده، واستعان بكثير منهم مثل «هيكل» و«مرادغالب» و«إسماعيل صبرى» ثم الدكتور «يحيى الجمل» فى مرحلة لاحقة. وكان يكره من الاعلام مقولة مصر «ناصر» أو مصر «السادات» أو مصر «مبارك» لأن هؤلاء عاملون لديها، وإذا لم يصبحوا رؤساء لمصر فماذا سيكونون؟!
توطدت علاقتى بفقيد مصر الكبير، وكان يعرف موقفى من الناصريين وفترة حكم «عبدالناصر»، ولهذا كلما كان يرانى يداعبنى قائلاً: ممدوح أنا أكبر ناصرى فى العالم، وكنت أرد عليه: يا دكتور حضرتك وصمت الناصرية بالخطيئة الكبرى، حيث كان رحمه الله يرى عدم تطبيق «عبدالناصر» للديمقراطية، واعدام «خميس» و«البقرى» وفشل الوحدة مع سوريا، وضعف «عبدالناصر» أمام «عبدالحكيم عامر» وهزيمة يونية، ومذبحة القضاء من الخطايا الكبرى لحكم «عبدالناصر»، وبالطبع كنت أذكره بهذا فيقول لى: لا أصبر لحظة ولا تقاطعنى ومش عاوز كلام وتخمينات.
لاحظت أن الدكتور «الجمل» كان يعشق الصحافة والصحفيين ويقدر المهنة والمهنيين، وكأنه توجد كيمياء خاصة بينه وبينهم، لانه كان يسقط الحواجز وبمنتهى السرعة بينه وبين الصحفيين، من خلال خفة دم غير معهودة أو مسبوقة وعفوية، تنم عن ذكاء وعلم وخبرة بالأحداث والاشخاص والمواقف والحكم والأمثال ودروس التاريخ، حيث كان مكتبه فى «جابر بن حيان» مفتوحًا للصحفيين دون تحديد موعد لهم يستمع إليهم ويجيبهم.
اتهم خلال حكم الإخوان بإهانة الذات الإلهية، وهو اتهام باطل وشنيع، وكان يقول: الخطورة ليست فى الاتهام بل الخطورة الشديدة على هوية مصر الحضارية، أما الاتهام فلا يهمنى فى شىء، لأنى أعرف الله حق قدره وأحفظ القرآن الكريم، والإخوان قبل وصولهم إلى السلطة كانوا يدعوننى فى المناسبات الدينية ويجلسوننى جانب مرشدهم، فهذا اتهام ساذج وعبيط، وبالفعل النيابة حفظت البلاغ.. رحم الله الدكتور «يحيى الجمل».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض