استكمالا لما بدأناه الأسبوع الماضي بشأن مزاعم «داعش» بحرق الطيار الأردني بناء على فتوى لابن تيمية، نشير إلى أن أحدا لم يتعامل مع هذه المزاعم ولو بمنطق «إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا».. حيث لم يتم عرض مزاعم التنظيم على صحيح الدين أو منطق العقل لاستجلاء صحة ما أعلنه التنظيم من عدمه. لقد أشار التنظيم إلى اعتماده في جريمته على ما يعرف بفتوى أو فقه التترس لابن تيمية؟ فما التترس؟ وماذا يقول ابن تيمية بشأنه؟ وهل يمثل أساسا صالحا يمكن لداعش الاستناد إليه في مواقفها الإرهابية؟
بداية نشير هنا إلى ما ذكرته بعض المصادر بشأن الأصل اللغوي للمفهوم لكي نضع القارئ في سياق الموضوع وننقل ما ذكره البعض من أن التترس هو ما یتوقّى به في الحرب وقد كان أعداء المسلمين فيما مضى يتترسون بالأسرى من المسلمين ويتمثل ذلك في أن یتخذ العدو طائفة من الناس بمثابة الترس له یحمي بهم نفسه مما یسبب تردد خصمه في ضربه وهو ما یسمى الیوم بالدروع البشریة، ومثله، حسبما يذكر البعض، وضع رهائن الحرب في الأماكن الحیویة لئلا تقصف. وقد كان الهدف من ذلك أن يتقي أعداء المسلمين هجوم جيش الإسلام عليهم لأنّ رمي المشركین - مع تترسهم بالمسلمین - یؤدي إلى قتل هؤلاء الذین يحرص المسلمون على حیاتهم وإنقاذهم.
وأما عن رأي ابن تيمية بشأنه فنجده يقول: «وقد اتفق العلماء على أن جيش الكفار إذا تترس بمن عنده من أسرى المسلمين وخيف على المسلمين الضرر إذا لم يقاتلوا فإنهم يقاتلون وإن أفضى ذلك إلى قتل المسلمين الذين تترسوا بهم». السؤال: هل يوحي موقف ابن تيمية بدعوة لقتل المسلمين على نحو ما أوحى به تنظيم «داعش» أو فهمه البعض من موقف التنظيم؟
للتوضيح ورغم حرصنا على البعد عن الدخول في جوانب فقهية تبدو معقدة فإن ضبط المفهوم بما يقربه إلى القارئ يجعلنا نشير إلى ما استقر عليه الفقه بشأن التترس مع تباينات محدودة وهي الرؤية التي بلورها أحد رواد الحركة الإسلامية المعاصرة هو ناجح ابراهيم الذي يقدم فهما يتسم بالمنطقية لعموم ما ذهب إليه ابن تيمية، وتتضمن ما يعتبر شروطا لازمة لصحة العمل بفتوى التترس لخصها في نقاط ننقلها هنا: أولا أن يكون هناك جيشان متحاربان، أحدهما جيش المسلمين وآخر للكفار وتكون الحرب قائمة بينهم. ثانيا: أن يكون الترس مجموعة من المسلمين أسرهم الكفار وتترسوا بهم، ولا يصح غير الأسير. ثالثا: أن تتحقق المصلحة وتندفع المفسدة برمي المشركين وفيهم الترس. رابعا: لا سبيل للأمن من جيش الكفار إلا بقتل الترس المسلم. خامسا: أن تكون المصلحة في قتل الترس المسلم ضرورية وكلية قطعية.
من هذه الصورة يبدو أن لا علاقة بين ما قدمه «داعش» – أو حتى غيره – في الاستناد إلى فتوى ابن تيمية بشأن التترس وما أقدم عليه هؤلاء في ممارساتهم الإرهابية. هذا مع الأخذ في الاعتبار أن الموقف الفقهي بشأن عملية التترس تلك لم يصدر عن ابن تيمية فقط وإنما، كما أشرنا، من مجموعة من العلماء المسلمين المختلفين الذين ينتمون إلى مذاهب فقهية مختلفة ما بين الحنفية والشافعية والحنبلية.
ويمكن لنا استيعاب أبعاد هذا المفهوم وجوازه في حدود الفهم الذي قدم له في الفقه الإسلامي، إذا نقلناه من سياقه الديني إلى السياق السياسي المعاصر ويتمثل في الأساليب التي تلجأ إليها الدول لمواجهة ما قد يمثل نوعا من التترس والذي يتخذ في أحد أشكاله اختطاف رهائن حيث تسعى الدولة التي تعرض مواطنوها لهذه العملية لفك أسرهم بأي السبل، مع الوضع في الاعتبار أن نتاج رد فعلها قد يكون مقتل أبنائها الذين جرى اختطافهم أو التترس بهم. وقد يجد أبرز تطبيق لهذا الفهم – رغم أي تحفظات – في ثلاث عمليات جرت كلها في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي ومنها العملية المصرية في مطار لارناكا عام 1978 والتي انتهت بمقتل وزير الثقافة المصري آنذاك الأديب يوسف السباعي. كما قد يجد تطبيقه في محاولة إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر تحرير الرهائن بالسفارة الأمريكية بطهران إثر الثورة الإسلامية عام 1979 وهي العملية التي لا شك لو اكتملت لكانت قد انتهت بمقتل عدد منهم. بل يمكن – من منظور سياسي – لزيادة الأمثلة الإشارة إلى عملية عنتيبي عام 1976 التي قامت بها إسرائيل ضد اختطاف رهائن يهود من قبل فلسطينيين وانتهت بمقتل ثلاثة من الرهائن على رأسهم الشقيق الأكبر لبنيامين نتنياهو.
وعلى هذا يمكن القول إن ظاهرة التترس في مفهومها التقليدي قد اندثرت وأن التطور الدولي المعاصر أفرز لنا ظاهرة شبيهة لقيت تعاملا من قبل دول ذات مرجعيات دينية مختلفة : إسلامية (الحالة المصرية)، مسيحية (الحالة الأمريكية)، يهودية (الحالة الإسرائيلية) ويكشف تعاطي هذه الحالات مع تلك الظاهرة في شكلها المعاصر عن تناسب فتوى ابن تيمية والعمل بها ما يؤكد أنها أقرب إلى المنطق والعقل بغض النظر عن طبيعة الطرف الذي يقوم بدور رد الفعل، حيث إن فكرة قبول خسائر في صفوف الرهائن تعتبر مقبولة في إطار مواجهة الخصم في كافة الحالات.
مؤدي ما سبق كشف زيف دعاوى داعش بشأن الاستناد لفقه ابن تيمية في عملياتهم الإرهابية وهو ما يعني تبرئته من تهمة أنه يشكل الأساس النظري للإرهاب الذي يتخذ من الإسلام ستارا له، دون أن ينهي بالطبع الجدل حول الرجل الذي ملأ – بتعبير عبد الرحمن الشرقاوي – الحياة من حوله ضجيجا وزحاما واضطراما بآرائه واقتحاماته الفكرية.. وما زال فكره يملأ الحياة من بعده ضجيجا واضطراما. وما زال – والكلام ما زال للشرقاوي – حتى اليوم يحتفظ بضراوة الخصوم وحماسة الأنصار!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض