عاجل
رئيس حزب الوفد
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس الإدارة
د.أيمن محسب
رئيس التحرير
عاطف خليل
رئيس حزب الوفد
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس الإدارة
د.أيمن محسب
رئيس التحرير
عاطف خليل

مكافحات.. بالطرحة والجلابية

« أم سمر تنتقل من كفر الشيخ لبيع البيض والسمن و«المشلتت» أمام وزارات وسط البلد

 ام الصيدلانية: علمت أولادى من بيع الزبدة فى ميدان السيدة عائشة

 

على وجههن ملامح الريف طيبة وبراءة وقلب أبيض.. دفعتهن ظروف الحياة للنزول للمحروسة، بحثا عن الرزق تتخللها الكثير من الصعوبات، ومع ذلك لا يعرف اليأس لهن سبيلا.. مصدر رزقهن «فرشتهن»، تحت وطأة حرارة الشمس القاسية التى تحرقهن بأشعتها النافذة ولهيبها، فلا حيلة أمامهن سوى طرق أبواب الرزق، من أجل لقمة العيش، مستقبلات زبائنهن بابتسامة عريضة تملأ الوجوه، رغم ما يحمله قلبهن من مشقة وتعب.. إنهن مقاتلات بالطرحة والجلابية.

 جميعهن يستيقظن مع فجر كل يوم يحملن على رؤوسهن عشرات الكيلو جرامات من  منتجات الريف جبن وزبد وبيض وفطير مشلتت وحاملات أعباء وطأة الحياة الصعبة، التى ألقت بهن فى مرمى المهن الشاقة وأجبرتهن الظروف القاسية على احترافها عنوة، منخرطات بين صفوف الرجال، فصارت الرجولة سمة وليست نوعًا فى بطاقة إثبات الشخصية.

داخل الأسواق والميادين العامة حكايات كثيرة عن سيدات بـ«100 راجل»، يكدحن من أجل لقمة العيش، عبر مشوار السفر من كل المحافظات إلى القاهرة، حتى نجحن فى الفوز بثقة الزبائن من سكان العاصمة المصرية، وموظفى الشركات والمصالح الحكومية.

«أنا اشتغلت فى بيع الجبنة القريش والفطير المشلتت والبيض والكشك و«المش» عشان أجيب رزق ولادي»... خلف هذة الجملة البسيطة، قصص وحكايات كثيرة، تبدأها أم سمر، التى تجاوزت الخمسين عاماً، والتى تبدأ يومها مع مطلع فجر كل صباح وتقضى أكثر من نصف عمرها فى شارع سعد زغلول بوسط القاهرة طوال النهار، لأنه قريب من المصالح الحكومية والشركات الخاصة، كما أنه يقع فى طريق المارة من ركاب مترو أنفاق سعد زغلول، ولأم سمر طقوسها الخاصة التى تتقى بها حرارة الصيف ومطر الشتاء.. ففى الصيف تضع فوق رأسها قماشة مبللة بالماء حتى لا يصل لهيب الشمس الى رأسها.. فى الشتاء لا تجد سوى بلكونة احد المبانى لتتقى بها مياه المطر.. كما ان لها اسلوبها الخاص لجذب زبائنها، فبين الحين والآخر تهتف بأعلى ما  تملكه من صوت «تعالى يا أستاذة أعرفى الأسعار واشترى اللى يريحك وكله نضيف وبما يرضى الله ومش هنختلف فى السعر، وتبيع أم سمر السمنة البلدي تتراوح أسعارها ما بين الـ110 و 120 جنيها، والبيض البلدى الـ20 بيضة بـ 35 جنيها، والجبنة القديمة الكيلو بـ40 جنيها، والجبنة القريش الكيلو بـ25 جنيها، والفول النابت الكيلو بـ20 جنيها، والثوم المفصص بـ10 جنيهات، والربطة من الثوم بـ20 جنيها».

 وتابعت «أنا باجى من محافظة كفر الشيخ، أيام الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وبسافر الجمعة والسبت والأحد لخبز المنتجات»، وبقالى أكثر من 15 سنة فى نفس المكان عشان جوزى مات، وعندى 3 بنات هن «سمر – دعاء – هدى».

تحت قطعة من القماش المبللة، تستخدمها لتحمى نفسها من أشعة الشمس الحارقة، بدأت «غزالة محمد» بائعة

اخرى ذات ملامح بريئة ترتسم على وجهها علامات الشيخوخة الممزوجة بعلامات الرضا،  وهى سيدة مسنة من محافظة بنى سويف، تخطت الثمانين عامًا، ورغم ذلك تكافح من أجل لقمة العيش، لكى تستطيع تدبير القليل من المال، لإطعام ابنها المريض القابع على سرير المرض منذ عدة عقود  صندوق ورقى قديم، حيث تضع أكياسا صغيرة من الملوخية الناشفة والكشك ودقيق الذرة والجبن القديمة، تلك المأكولات الريفية الشهية، التى يرغب فيها أهل المدينة، ويشترونها لعدم قدرتها على الخبز والعجن، وتبيعها لتوفير أجر الغرفة التى تستأجرها، والعلاج الذى تعطيه لابنها المريض.

تعتاد «أم يوسف»، ذات الوجه المبتسم البشوش، والجلباب الأسود الفلاحي، والخمار الطويل الذى يغطى رأسها ونصف جسدها، كل يوم اثنين وثلاثاء وأربعاء، أن تأتى من محافظة المنيا، وتتنقل بين شارع وآخر، وهى تلقى التحية على أصحاب المحال والأهالى فى شرفات منازلهم، وتفترش رصيفا بميدان السيدة عائشة، وهناك يتردد عليها اهالٍ يشترون منها كرات الزبدة الفلاحى والفطير المشلتت والعسل الاسود والبيض البلدى والجبن الفلاحى والقشطة. 

وتنفق «غزالة» من عائد بيعها على 4 من الأبناء، يوسف وهو أصغرهم ولا يتعدى عمره الـ10 سنوات، و3 بنات إحداهن تخرجت مؤخرا فى كلية الصيدلة طبيبة صيدلية، والأخرى طالبة بكلية الحقوق، والأخيرة بالثانوية العامة، مؤكدة أنها رغبت فى استكمال تعليمهم، لاستكمال حياتهم العملية، بدلًا من مشقة الحياة فى بيع وشراء الجبن والفطير.

ولفتت إلى أن هناك بعض زبائنها يطلبون منها احضار طلبات خاصة مثل الحمام والفراخ والبط، مؤكدة أن زبائنها من كبار سيدات مجتمع المدينة اللاتى يحتفين كثيرا بالفطير المشلتت ومنتجات الريف.

وفى النهاية حكايات كثيرة تم سردها، من واقع رحلة كفاح الأمهات الكادحات، بحثًا عن لقمة العيش، عبر مشوار السفر الطويل، حيث تتشابه معاناتهن؛ فمنهن من طلقها زوجها، أو توفى واضطرت لتحمل المسئولية وباتت تعول أبناءها، أو من أجبرها ضيق العيش على الخروج للسوق لمساعدة الزوج فى شقاء الحياة.