الصوفية بين زمنين

بقلم -وفاء التلاوي

ولدت الصوفية علي يد أولياء الله الصالحين الذين لا يعبدون الله خوفا من ناره أو طمعا في جنته ،  ولكن حبهم لله هو حب صافٍ منزهٌ عن كل غرض لا يبتغون من ورائه شيئا سوى  حب الله والتقرب إليه  , و هم من أًطلق عليهم الزهاد المتصوفين الصادقين في عبادتهم لله  , يطيعون الله ويعبدونه حق العبادة

,و قد بدأت الصو فيه على يد "ذا النون المصري" ( ثوبان بن ابراهيم ) والذي قال : ( إن لله عبادا تركوا المعصية استحياءً منه بعد أن كانوا تركوها خشية منه؛ أفما وقد أنذرك ) ,  و قال أيضا : (ألا إن حب الله عز وأمل .. وحب غير الله خزي وخجل. ) و يقال: إن سبب تسميتهم بالصوفية راجع إلي أنهم كانوا يرتدون الصوف الخشن زهدا منهم في متع الحياة فلا يلبسون الحرير الذي يدل علي الطرف والغني,   ويقال أيضا إنهم سموا بذلك لصفاء أنفسهم ونقائها  وهم الصفوة عند الله  ولذلك سموا بالصوفيين  ,,و الآراء كثيرة في ذلك,  والصوفي  الحق يداوم علي ذكر الله واستحضار رقابتة  في السر والعلن وهذا ما يجعله لا يقع في المعاصي إلا نادرا ,  إذ كيف يعصي المولي وهو يوقن بمعيته وكمال مراقبته له ؟  فمن أتخذه الله وليا علَمه ومن علَمه الله بدون معلم فهو من كُمل الأولياء والعلم الممنوح (  بحر لا ساحل له )  , قال تعالي (عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) اية 5 سورة العلق فكل معلومة في رأس إنس أو جان أو ملك أو شيطان وسائر المخلوقات الله مانحها وهو يعلمها قالت الملائكة  (قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ((32) سورة البقرة
والتصوف الذي يقره الإسلام هو ما وافق القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة ,  ومنهاجه هو صدق العبودية لله عز وجل وأداء ما فرضه الله ,  والإكثار من النوافل ورأس نوافل العبادات ذكر الله عز وجل,  وصدق  المراقبة له, هذا هو التصوف الإسلامي الذي يقره أئمة المسلمين في كل زمان ومكان ومن بينهم شيخ الإسلام ابن تيمية , و لكننا نجد  أن بعض المتصوفين الغير صادقين  في زماننا هذا قد  تحول معني التصوف عندهم  من عبادة خالصة وصافية ومنزهة عن كل غرض إلي عبادة بغرض  وهدف أ وأغراض دنيوية كالطعام أ والمسكن أ وغيره , ونجد أيضا  الكثير من العادات الذميمة  التي ينتقدها البعض  ولا يحبونها ,, وإنما يأتي هذا كله  بسبب أدعياء التصوف,الذين لم يتتلمذوا علي يد شيخ فاضل يحسن تربيتهم وتهذيبهم

وتعليمهم ,فأساءوا  إلي غيرهم من المتصوفين الحقيقيين.

ومن ضمن ما أخذوه في الماضي  علي الصوفية  أنهم كانوا  يقللون مطعمهم فكان منهم من يبقي أيام لا يأكل حتى أن تضعف قوته ,    وفيهم من يتناول كل يوم الشئ اليسير الذي لا يقيم البدن ,ذلك  أن المزموم من الأكل إنما هو فرط الشبع ,  وأحسن الأداب في الطعام آداب الرسول ( صلي الله عليه وسلم  ) حيث قال : مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لقيمات يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا بد فاعلا فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ . رواه الترمذي وصححه الألباني وفي ذلك خير لنا من الناحية الصحية ومن الناحية الروحية,,فغذاء الجسد الطعام  , وغذاء الروح العبادة , فمن أكثر من العبادات بالنوافل قويت روحه حتي تستطيع أن تحمل جسده وتطير به وعندها لا يحتاج مثل هذا العابد إلي الكثير من الطعام ويكفيه القليل منه وقد أشار الله تعالي لذلك العابد الذي عنده علم من الكتاب  في قوله (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) {النمل:40}) فقد حمل عرش بلقيس وجاء به من اليمن إلي مدينة القدس في غمضة عين ,,, وهذه هي الكرامات التي يتحدث بها الناس عن هؤلاء , ومدى تأثيرها في الناس ولعلنا نلاحظ  اختفائها  في عصرنا هذا وحتى إن حدثت  فلا يؤمنون بها  ولا يعترفون بها .

ومما أخذوه على السادة الصوفية أيضا في الماضي  لبس الصوف الخشن المهلهل والمرقع من الثياب ولا يخيطونه مستدلين  بأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يرقع ثوبه وأنه قال لعائشة رضي الله عنها لا تخلعي ثوبا حتي ترقعيه وأن عمر بن الخطاب كان في ثوبه رقاع  أما صوفية زماننا هذا ( الغير صادقين )  فيعمدون إلي ثوبين أو ثلاثة كل واحد منها علي لون فيجعلوها خرقاء ويلفقونها فيجمع هذا الثوب بين الشهرة والشهوة فإن لبس مثل هذه المرقعات أشهي وأفضل  عند كثير من هؤلاء الناس من لبس الحرير وبها يشتهر صاحبها بأنه من الزهاد ولأغراض في نفسه  الله يعلمها , ونجد أيضا مما أخذه البعض علي من يدعون التصوف  ذمهم للعلماء واحتقارهم إياهم ,  ولو عرفوا

مرتبة العلماء في حفظ الشريعة وأنها مرتبة تلي الأنبياء ما فعلوا ذلك  قال الرسول  (صلي الله عليه وسلم ) لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه (  والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم ) فهم يقولون المقصود العمل ,  ولكن الصوفية الصادقين لا يذمون عالما يعمل بعلمه أبدا  وإنما يذمون العالم الذي  لا يعمل بعلمه , وقد قال الله تعالي وهو يصف  العالم الذي لا يعمل بعلمه (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) 44 سورة البقرة

وأكثر ما يأخذونه عليهم في عصرنا الحالي , كثرة التمايل والرقص في حلقات الذكر والطبل وغيره والتمايل الذي يغضب الكثير  ,  وأعتقد  بأنها قد تكون لحظات تجلي وخشوع لعظم اسم الله فعندما يذكرون اسم الله كثيرا ويقولون الله  الله   الله يجدون أنفسهم بدون قصد يتمايلون من شدة تأثرهم باسم الله ومعرفتهم لعظم قدره  فيتمايلون بحركات معينة  غير مقصودة   وهذه طريقتهم للتعبير عن مدي حبهم وخشوعهم وإخلاصهم  لله ,, و قد نختلف معهم أو نتفق  و لكن لكل منا طريقته في التعبير  عن حبه و إخلاصه لله , و يا ليتنا جميعا نعبر عن مشاعرنا وإخلاصنا وعبوديتنا لله  بطريقة صحيحة  توصلنا لحب الله وتقربنا منه  , و علينا المحافظة علي أداء العبادات  كالصلاة  والصوم  و أداء الزكاة و غيرها من العبادات التي تقربنا من الله العلى العظيم , لعل الله يتقبل أعمالنا  ونكون من عباده المخلصين وممن إذا دعوا الله  استجاب لهم  (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ) 62 سورة النمل

أما أهل الصدق من الصوفية فهم أهل التأسي برسول الله (صلي الله عليه وسلم  ) وقد ماتت نفوسهم عن الشهوات بحفظ الله لهم عنها ,  والأولياء لهم من الله الحفظ وهو عدم الوقوع في المعصية مع جواز الوقوع فيها فالحفظ أو دون ذلك , فلعصمة للأنبياء فقط من عدم الوقوع في المعصية ,  فهم يرتدون المرقع من الثياب إنما يكون  ذلك لإعراضهم عن الدنيا زهدا فيها وعدم رغبة في متعها فهم يعلمون أنها متع زائلة , أو يلبسون هذه الثياب  بسبب الفقر فهم يعيشون في حدود  ما رزقهم الله من رزق ، وإن كان يوجد من أدعياء التصوف من يفعل ذلك الآن  للشهرة والتكسب أيضا والأدعياء كثيرون ,  فهم بعملهم هذا يشوشون علي كثير من الناس،  فيرمي الصوفيين الصادقين بما يفعله أدعياء التصوف ,فإن لله في عباده شئون  يصطفي منهم من يشاء ويرفع منهم من يشاء درجات ويقربهم إليه ,  اللهم إجعلنا من عبادك الأوفياء الصادقين المخلصين في حبهم وعبادتهم لك .

فالطريق  للصوفية الصحيحة  الخالصة لله  طويل وشاق  ,  ولكنه  مرصع بالياقوت والمرجان والرياحين  وبرضا الرحمن  ,   فهل نجد من يعيننا للوصول إليه ، ونتذوق حلاوته ونتعرف علي أسراره وبحاره ونتعمق فيها  ؟ و نتقرب إلي الله أكثر و اكثر حتى نكون من أولياء الله الصالحين

فليعيننا الله للوصول إليه والفوز برضاه  ونكون من الصفوة الذين اختارهم  لنفسه ويعلمهم من فضله,  و نكون من محبيه وننعم بالقرب منه
عبادا اشتاقوا إلى رؤية الله , فتقربوا بصالح الأعمال فتقرب الله منهم بإيجاب الدعاء