رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حكاوي

ما أحوجنا إلي الحب!

وجدي زين الدين

الجمعة, 26 أكتوبر 2012 22:15
بقلم - وجدي زين الدين

أجمل ما في العيد هو حالة الحب والتسامي التي تسود بين الناس، وأعظم ما فيه هو تبادل التهاني والتبريكات بهذه المناسبة السعيدة، وأفضل ما فيه هو تعلم الطاعة في الحق، وأنبل ما فيه هو تعليم أبنائنا وبناتنا معني التضحية والوفاء للآباء والأمهات الأحياء منهم والأموات.. في العيد تنشط ظاهرة الحب،

وهي ظاهرة نفتقدها الآن في عالمنا المادي، ولا تطل علينا إلا في المناسبات السامية وأهمها في العيد، والحب أنواع كثيرة ومذاهب شتي، لا يجمعها سوي رابط واحد، أو لنقل أن أحد أبرز معالم الحب هو الطاعة، فالحبيب يطيع محبوبه، وإذا وصفنا الحب بأنه ظاهرة إنسانية فإن مقياس درجته هو الطاعة، والإنسان الذي يحب الله تعالي يطيعه في أوامره ونواهيه.. والمرأة التي تحب تطيع من تحب وكذلك الرجل والابن البار بوالديه يطيعهما ولا يعصي لهما أمراً أو طلباً، والتلميذ الذي يحب أستاذه يذاكر مادته.. والأسرة المتحابة ترحم بعضها.. والعاملون المتحابون يتحولون إلي منتجين بشكل لافت للنظر.
ظاهرة الحب التي تدوم أيام العيد تخلق نفوساً سامية متآلفة، والله تعالي يقول «ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها».. وتزكية النفس هنا لا تأتي إلا بالحب، والذي يعرف الحب ويذوق حلاوته يتطهر من كل دنس أو وسخ، والقلب العامر بالحب يزكي النفس ويلهمها التقوي، فالعبد المحب طائع وتقي ولذلك قال الحكماء: التقي رئيس الأخلاق، والتقوي تأتي من الطاعة والطاعة لا توجد إلا في وجود الحب.. ورحم الله الفيلسوف زكي

نجيب محمود الذي وصف الفلسفة بأنها ليست فقط حب الحكمة كما هو متعارف لدي الفلاسفة إنما قال عنها إنها الحب في حد ذاته سواء كان هذا الحب لشيء مادي أو معنوي، وأفضل ما في الحب هو الطاعة بعينها فهي المقياس الوحيد الذي يقاس به مدي هذا الحب.
الحب يخلق نفساً زكية سامية تسبح في عالم المحبوب، تستلهم منه الحكمة والطهر والعفاف والغني عن كل شيء، والحب ظاهرة إنسانية أودعها الله في قلوب بعض من خلق ليعلموها للآخرين، فالأم التي تحب أبناءها تملكها الحب بالفطرة، وكذلك الأب، وحتي الحيوانات أودع الله في قلوبها الحب لأبنائها.. ما يعني أن الله تعالي ينادي بني البشر أن أفشوا الحب بينكم، وأعظم درجة في الحب أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك، وهو ما وصفه الإسلام بالإحسان، وطاعة إسماعيل عليه السلام لأبيه إبراهيم عليه السلام رغم أنه سيقوم بذبحه أكبر دليل علي الحب، لأنه بمقياس الطاعة كان طائعاً إلي أكبر درجات الطاعة فالصبي يعلم أنه سيذبح ورغم ذلك استسلم طائعاً لأبيه، وأكبر دليل علي طاعة إبراهيم لربه أنه استجاب لنداء الله بذبح من يحب.. وأما بمقياسنا نحن البشر فالرجل الذي يعشق امرأة يطيعها وكذلك المرأة التي تحب زوجها
تطيعه..
في مناسبة العيد استشعر الحب يسود أياماً قليلة وسرعان ما يذوب هذا الحب بانقضاء هذه المناسبة السعيدة، فماذا لو أن الناس مارسوا الحب في كل تصرفاتهم؟
لو حدث هذا فلن نجد ناقماً أو حاقداً أو حاسداً أو منافقاً، وكل الظواهر السلبية تزداد في غياب الحب، وكل المواقف الطيبة والرقيقة والعطرة تنتشر في وجود الحب.. وأي راصد يقوم بعملية رصد لما أقول سيجد ذلك تماماً، لكن يبدو أن مشاكل الناس الحياتية، تلهيهم عن ممارسة الحب الحقيقي، ويبدو أيضاً أن هذه المشاكل هي التي تصيب بني الإنسان بالاكتئاب وقتل الابتسامة.. لو أن ظاهرة الحب التي تراها بين الناس بعد صلاة العيد مثلا انتشرت طوال السنة لكان حالنا غير الحال، وطباعنا غير الطباع وعملنا غير ما نعمل وتصرفاتنا تسير نحو الحق، والعمل يزداد والنفوس تصبح سامية شاكرة تنعم بالهدوء وراحة البال التي افتقدها الصغار قبل الكبار.
لو انتشر الحب بين الناس لتحولت مصر إلي جنة فيحاء، يستظل بها الجميع، ولما وجدنا نفوسا حانقة يملؤها الفجور بدلا من التقوي.. لو انتشر الحب بين المصريين صغاراً وكباراً لعبرت مصر إلي بر الأمان وحقق المصريون حلم حياتهم الأبدي في حياة كريمة فيها تحفظ الحقوق وتصان الكرامة.. هذه ليست جمهورية أفلاطون بل من الممكن أن تتحقق علي أرض الواقع بالنفوس السامية التي يملؤها الحب لكل ما نفعل.. فما أحوجنا في هذا الزمن الرديء الي الحب والسعي إليه.. وما أحوجنا لأن نطهر قلوبنا بالطاعة لما فيه الخير لهذه الأمة، بدلا من التقاتل الذي يكاد يقضي علي الجميع.. وما أحوجنا لأن ننقي أنفسنا من كل غل لبعضنا يكاد  يدمر الأخضر واليابس.. وما أحوجنا لأن تكون كل أيامنا أعياداً طالما أن الحب يكثر فيها.
ما أحوجنا لأن نحب الحب لذاته.. فهل نفعل.. أم نظل نندب حظنا ومصيرنا؟!
فالحب هو الطاعة.. والطاعة نفس سامية.. والسمو أكبر درجات الحب.
[email protected]