رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حكاوى

طبيب.. سائق تاكسى!

وجدي زين الدين

السبت, 06 أكتوبر 2012 22:28
بقلم: وجدى زين الدين

لا يوجد قطاع واحد فى مصر بدون مشاكل، ولا توجد جهة واحدة فى البلاد لم تقم بإضراب أو اعتصام، ولا توجد مصلحة واحدة شبه مستقرة، فالكل يعانى أزمة واحدة هىأزمة سوء الأحوال المالية

لا استثناء فى ذلك، وسوء الأحوال المعيشية لكل المتسببين لقطاعات الدولة، هو الذى يفجر بين الحين والآخر الاعتصامات والاحتجاجات الفئوية التى تكاد لا تنقطع منذ الثورة وحتى الآن.. وقبل الثورة كانت أجهزة الأمن تقمع من يفكر فى الاعتصام أو الاحتجاج.. هذه المشاكل هى التى دفعت الناس لأن يثوروا على النظام السابق متحدين سلطة القهر والظلم وعلى أمل تحقيق حلم الحياة الكريمة لكل مواطن.. والذين يرفضون احتجاجات الناس الآن ليسوا على حق، فهؤلاء هم الذين فجروا الثورة، ومن حقهم أن يحصلوا على الحياة الكريمة التى تحقق للفرد أدنى معيشة فى حياة تليق ببنى البشر.
من غير المنطقى أو المقبول أن يكون راتب المعلم لا يتعدى الألف جنيه ونطلب منه عدم الاقبال على الدروس الخصوصية، وعندما قام النظام السابق باختراع ما يسمى بالكادر لم يحقق للمعلم شيئاً سوى إضافة جنيهات قليلة لا تلبى حاجته فى شراء الخبز لمدة أسبوع واحد.. ومع الارتفاع الجنونى فى الأسعار التى تلتهم أية زيادة فى الرواتب يكون حال المعلم معدوماً.. وهذا أحد أسرار تردى العملية التعليمية برمتها، وبات من غير الغريب أن تتخرج أجيال «جاهلة» لا تحب القراءة ولا البحث العلمى، وهذا ما أوصلنا إلى حالة التخلف الشديدة التى

تمر بها البلاد بشكل يدعو إلى الحسرة والأسى ويصيب بالاكتئاب الحاد.. وهذا أيضاً ما جعلنا نرى حماقات شديدة فى الشارع، وتغيرت سلوكيات البشر إلى الأسوأ وزادت الضغائن بين الناس، فلا الكبير يرحم الصغير ولا الصغير يحترم الكبير.. إنها حالة من التردى معقدة تحتاج فى الأساس إلى تغيير شامل فى ثقافة الناس، ولن يتأتى ذلك دون تغيير منظومة التعليم بكاملها، وأول تغيير يجب فعله هو توفير الحد الأدنى للحياة الكريمة للمعلمين..
لقد مرت المهلة التى منحها المعلمون للدولة لاتخاذ القرارات العاجلة لإصلاح حال المعلم ولم تفعل الدولة شيئاً، ولا تزال سياسة المسكنات هى المستمرة وهى سياسة لا تجدى، فالمرض العضال يحتاج إلى البتر ولا يحتاج إلى سياسة «التثبيت» لإلهاء أصحاب الحقوق.. إن أخشى ما يخشاه المرء الآن أن يكرر المعلمون اضرابهم، وتتعطل الدراسة وكفى ما مر من سنوات لم يكتمل فيها أى عام دراسى، واضطرت المدارس إلى سلق شرح المقررات الدراسية، والرضوخ تحت بند الدروس الخصوصية التى لا ترحم أحداً، كان المفروض على الحكومة أن تخرج على المعلمين وتصارحهم وتعطى جدولاً زمنياً بشأن إصلاح أحوالهم المعيشية السيئة.
أما إضراب الأطباء الذى يدخل يومه الخامس على التوالى، فحدث عنه ولا حرج، فالدولة أصمت أذنيها وأعمت عينيها عن
هذا الإضراب وكأن شيئاً لم يحدث على الاطلاق.. فإذا وكانت المدارس تتعطل بسبب إضراب المعلمين، فهل يجوز أن يتوقف المرضى عن آلامهم مع إضراب الأطباء؟!..... إن إضرابهم كارثة حقيقية على المرضى، فالمريض الذى يشكو الآلام لا يعرف سوى الطبيب الذى يصف له العلاج لحالته.. ولو أن هناك أحداً يشعر بآلام هؤلاء المرضى الذين  كثرت حالاتهم بشكل مخيف لتحركت الحكومة على الفور للتفاوض مع هؤلاء الأطباء الذين يرفعون مطالب لهم عادلة.. فمن حق الطبيب أن توفر له الدولة الحياة الكريمة، وإذا كان المعلم يهرب إلى الدروس الخصوصية ومنهم من يعمل فى حرف أخرى، فهل الطبيب يحق له أن يترك ممارسة الطب ويلجأ إلى أعمال أخرى؟!.. وقد علمت مؤخراً أن طبيباً اضطر إلى أن يعمل سائقاً لتاكسى حتى يوفر ضروريات المعيشة اليومية لأسرته!!!..
نعرف أن هذه المشاكل ليست وليدة الحال ولا وليدة الثورة، إنما الثورة قامت على أكتاف هؤلاء المطحونين من أبناء الشعب المصرى الذى يحلم بحياة كريمة ونعرف أيضاً أن النظام السابق ترك كل هذه المشكلات تزداد وتستفحل بهذا الشكل الغريب.. لكن كنا نأمل بعد الثورة أن تبدأ الدولة فى  حل مشاكل قطاع من هذه القطاعات واحداً وراء الآخر، ولو أن الحكومة بدأت فى قطاع وانتهت منه ستعطى الأمل لباقى القطاعات الأخرى، لكن شيئاً من هذا لم يحدث، وبدأت المشاكل تزداد تعقيداً.. ونعلم أيضاً أنه لا يمكن حلها جملة واحدة واحدة ولذلك بات من الضرورة والعقل أن تبدأ الدولة فى حل مشكلة وراء الأخرى وبذلك نصل إلى بر الأمان، فالأفضل أن تبدأ فى الحل لا أن تترك الأمور تزداد تعقيداً حتى نجد اليوم الذى تغرق فيه كل القطاعات ولا شىء هناك يمكن أن يشغل بال الدولة أهم من تحسين الظروف المعيشية لحياة الناس، والدولة بدون الناس لا يمكن أن تكون دولة!!!