حكاوى

«شفت بعينى!»

وجدي زين الدين

الخميس, 24 مايو 2012 23:12
بقلم: وجدى زين الدين

«شفت بعينى محدش قال لى».. «شفت» أمام لجان انتخابية أكياساً مملوءة بسلع، قد تكون أرزاً أو مكرونة أو عدساً أو حتى «ملح».. سألت عنها قالوا لى إنها أكياس لحوم، وقد اعترتنى الدهشة وتملكتنى علامات استفهام كثيرة، واستنكرت بشدة أن تكون محتويات هذه الأكياس لحوماً!!.. قد تكون أى شىء إلا اللحوم لسبب جوهرى واحد وهو أن هذه اللحوم ستفسد تماماً بسبب الحر الشديد؟!..

كما أنه من غير المنطقى أن تستمر صلاحية لحم لمدة تقترب على أقل تقدير لساعة أمام اللجنة الانتخابية، ثم بعدها ستصل إلى منزل من حصل عليها لساعة أخرى.. يعنى سيذهب بها وقد تلفت تماماً!!
لا أحد ينكر أن هناك رشاوى انتخابية تم تقديمها إلى فقراء الأمة  حتى يضمن مرشحو شراء الذمم الحصول على أصوات هؤلاء الغلابة.. لكن هل تصل درجة الفجر وتحدى القانون لأن تتم عملية توزيع الرشاوى علناً أمام اللجان؟!.. هل من المنطقى أو المقبول أن يحدث هذا أمام اللجان

الانتخابية، فى ظل وجود ناخبين محترمين باحثين عن الحرية والديمقراطية، وفى ظل وجود مندوبين لكل المرشحين، وفى ظل وجود تأمين قوى من القوات المسلحة والشرطة؟
وهل عجز هؤلاء المرشحون من متحدى القانون عن أن يفعلوا ذلك بعيداً عن اللجان الانتخابية... أم أن هذا تحد سافر للقانون وجلال العملية الانتخابية؟!.. أما عن توزيع رشاوى مالية فقد يكون هذا قد حدث بالفعل، على خلاف ما يثار بشأن الأكياس خاصة إذا قيل إنها لحوم!!!
الحديث عن الرشاوى الانتخابية بأى شكل من الأشكال سواء كانت سلعاً أو أموالاً، شىء مقزز ومقرف ويثير الاشمئزاز لأن ذلك يعد تحقيراً للشعب المصرى العظيم الذى نال حريته بالدم وضحى من أجل الوطن الغالى بروحه، فى سبيل تحقيق حلم كان صعب المنال، وهو الوصول إلى الديمقراطية الحقيقية التى انتظرها طويلاً بعد
تعرضه لكل أنواع القهر والظلم والطغيان.
وعندما يتحدث المرء عن رشوة هذا الشعب البطل العظيم، فكأننا نوجه إليه خناجر فى ظهره ورقبته وليس خنجراً واحداً.. يحزننى جداً أن تتم المتاجرة بفقراء هذه الأمة الذين صبروا كثيراً وتعرضوا لأبشع أنواع الجوع والمرض والجهل وكان لديهم الإصرار الشديد على تحقيق حلم حياتهم وهو نيل حريتهم بعزة وكرامة وشرف... ما رأيته بعينى من أكياس سواء كانت فارغة أو مملوءة أمام اللجان، لا يعنى أبداً بأى حال من الأحوال أن هذا الشعب العظيم يمكن شراؤه بسلعة..
صحيح أن هذا الشعب بحاجة ماسة إلى السلع بكل أنواعها لكن لا أعتقد أبداً أنه من الممكن أن تشترى حرية المصريين بكيس أرز أو بزجاجة زيت... فالمصريون الذين هتفوا بسقوط النظام السابق وخلعوا رئيساً من منصبه عندما أتهمهم بزجاجة زيت أو قطعة لحم، فكأنما أنهش فى لحمهم عامداً متعمداً مع سبق الإصرار والترصد..
ثم إن الذين يتصورون أن المصريين يمكن أن تغريهم مثل هذه الأمور فهم واهمون تماماً، ولا يستقيم أبداً القول بأن الذين خرجوا فى ميادين التحرير بالقاهرة والمحافظات، لإسقاط النظام، يمكن أن يملأ أعينهم سلعة تموينية وخلاف ذلك.. لا يملأ عين هؤلاء الثوار سوى الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.