حكاوي

امتحان عسير للديمقراطية

وجدي زين الدين

الاثنين, 21 مايو 2012 22:00
بقلم - وجدي زين الدين

الباقي ساعات وتشهد مصر أكبر حدث تاريخي لم تشهده من ذي قبل، فالمتأملون في التاريخ المصري والمتفحصون في دهاليزه، لن يجدوا مثل هذه التجربة الديمقراطية الرائعة وهي انتخاب رئيس للبلاد من بين مرشحين ليسوا اثنين أو ثلاثة أو أربعة وانما بلغوا ثلاثة عشر مرشحاً.. في التاريخ المصري أو حتي التاريخ العربي، لن تجد إلا محاولة واحدة ولم تكن انتخابات، بل كانت اجماع أمة علي شخص واحد قادم من ألبانيا لتأديب المماليك لخدمة أطماع الدولة العثمانية وبعدها انقلب علي الأمة نفسها إنه محمد علي..

في الانتخابات التي تجري غداً الأربعاء، وبعد غد الخميس، المرشحون لتولي عرش مصر، مصريون أمَّا عن جد، وعددهم كبير، والشعب سيبدأ أكبر ممارسة ديمقراطية حقيقية.. فهذا يؤيد فلاناً وآخر يؤيد علاناً وثالث يمتنع ورابع يرفض الجميع ويبطل صوته.. هذه هي الديمقراطية لا اجماعية علي أحد ولا تأييد مطلق لمرشح، ولا توجد نسبة الخمس تسعات التي كانت سائدة في العصور السابقة «عني 99.999٪».
انتهت عصور الانقلابات والاجماع علي فرد بعينه، وذهبت إلي غير رجعة أفكار القائد الملهم الوحيد الذي بدونه ستغرق البلاد ويهلك

البشر، وكل هذه الأفكار غير الطبيعية التي تربينا عليها رغماً عن انفنا، وبدأت مصر عصراً جديداً لم تتعود عليه، إنه عصر الديمقراطية الحقيقية، التي يقول كل فرد فيها ما يقال من آراء وأفكار، ويرفض ويعارض، وأحياناً ضمن الحماس يرتكب حماقات.. في بداية الديمقراطية المتبقية يخطئ المرء في التطبيق ويرتكب «الحماقات» من تطاول وتخوين للأخرين وخلاف ذلك من مثل هذه الأمور.
هذه السلبيات لا تجعلنا نجزع أو نخشي من جانب أفراد أو حتي جماعات، البداية ستكون صعبة، لكن بالفعل قد وضعنا أقدامنا عليها.. كل بداية تكون صعبة ثم سريعاً ما تتلاشي هذه الصعوبة ونتعود علي الممارسة الحقيقية.. البلاد تشهد حالياً ممارسات سيئة من جانب أنصار المرشحين لكنها لن تطول فنحن شعب لم يتعود علي الديمقراطية من قبل، ولما انتزعها عنوة وبدأ في ممارستها، لابد أن تظهر في البدايات سلبيات، ولكنها لن تطول.. الأمة المصرية ستخرج لتختار من يتولي عرش البلاد، والفائز
لن يحصل علي اجماع من الناس قد ينجح بنسبة لا تتعدي الكثير من منافسيه، وهذه هي الديمقراطية الحقيقية.
الرئيس في الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة، لن يحكم بمفرده ولا ينفرد بقرار احادي ولا يتصرف كيف ما يشاء ويري، فهناك دولة مؤسسات، الكل يؤدي دوره فيها، والمواطن فيها له حقوق وعليه واجبات.. في هذه الدولة الرئيس له دور والمواطن البسيط له دور، ولا فرق بينهما أمام القانون.. دولة المؤسسات تناقش أفكاراً وتنفذ خططاً قد تحدث في فترة رئاسية محددة، ويأتي آخر ويستكمل المسيرة وهكذا في دولة المؤسسات هناك خطط مستقبلية وبرامج وأفكار لا تتحقق في فترة رئاسية واحدة أو حتي فترتين ويأتي من يأتي من الرؤساء، ليستكمل البناء، لا أن يهدم ما فعله السابقون عليه.
وبمجرد اجراء الانتخابات وفوز الرئيس تكون مصر قد اجتازت بنجاح أول تجربة رائدة في الشرق العربي، ومن خلال شتي مؤسسات الدولة وترتقي البلاد وتعبر فعلاً إلي بر الأمان الذي سيشارك فيه كل القوي الوطنية، لا فصيل بعينه ولا حزب بذاته.. مصر تحتاج إلي كل سواعد أبنائها لبدء مسيرة البناء والنهضة والتقدم الذي يحلم به كل أفراد الشعب.
اللهم اجعل أيام الانتخابات تمر علي خير حتي تجتاز البلاد هذا الامتحان العسير الذي سيبدأ «الأربعاء».. اللهم من أراد لمصر الشر فرد كيده إلي نحره، حتي يتحقق حلم الديمقراطية الذي جاهد المصريون في سبيله كثيراً علي مر الأزمان والسنين.