بالإكراه.. بنات الصعيد في القفص الذهبي

هو و هى

الأحد, 29 مايو 2011 15:18
كتبت- ليلى حلاوة:


اتصل بها والدها وهي تتلقى محاضرة بإحدى الكليات العملية.. طلب منها الحضور فورا إلى القرية فقد تحدد موعد خطبتها ولابد من حضورها كي تقابل العريس وأسرته.. دهشت ياسمين ..احتارت .. صدمت فوالدها لم يخبرها شيئا عن العريس، بل إنه لم يكلف نفسه عناء إخبارها بمن يكون في الأساس.. لكنها استنتجت على الفور أنه ابن عمها.. ذلك الشخص الذي لم يكمل تعليمه والذي تعتبره أخا لها.

جلست ياسمين في غرفتها بالمدينة الجامعية لا تحرك ساكنا وهي تكاد تراهم يعدون عدة زواجها المحتمل الأسبوع القادم، وتسمعهم وهم يقرأون "فاتحتها" على قريبها المتعجل للزواج منها بالرغم من معرفته المسبقة أنها لا تريده زوجا لها..

وبالرغم من تأكد أهلها من رفضها للعريس إلا أنهم لا يستطيعون مواجهة عاداتهم القبلية .. لتصبح حياة الابنة ورغبتها في كفة وعلاقة الأب وأسرته بأبناء عمومته في كفة أخرى، والثانية غالبا هي التي ترجح لأنه في نظرهم لن يعد رجلا إلا إذا نفذ كلمته في أسرته وبين أبناء عمومته .

هذه حال كثير من الأسر ممن يقطنون في القرى خصوصا تلك العائلات التي لها انتماءات قبلية ما.. حيث أشارت الأرقام في أول دراسة تم إجراؤها على 200 فتاة من الصعيد، من الأشراف وهوارة ونجع حمادي، إلى أن نسبة 78.5% من العينة تم إجبارهن على الزواج من الأقارب بالرغم من عدم التكافؤ في المستوى العلمي والاجتماعي.

أضحوكة العزبة

وتتنوع ردود أفعال الفتيات اللاتي يتعرضن لهذا النوع من القهر.. وعلى الرغم من أن أغلبهن يقبلن الزواج على مضض من زوج يعشن معه طوال حياتهن معذبات مقهورات، ولا مانع من تعمد تجريح هذا الزوج أمام الجميع بين الفينة والأخرى لأنه هو من قبل على نفسه الزواج ممن لا ترغب فيه زوجا.. نرى على الجانب الآخر من ترفض ذلك متمسكة بحقها في الاختيار الذى منحه لها الشرع وأقرته الأعراف والقوانين.

ونعود لياسمين، التي حاولت بكل الطرق رفض العريس، قالتها له صراحة فازداد تمسكه بها حتى لايصبح أضحوكة "العزبة"، ادعت المرض وقضت أياما طويلة لدى الأطباء إلا أنهم أكدوا أنه ليس بها ما تشكو منه عضويا.. ربما نفسيا وهذا طبعا تشخيص غير مقنع لدى الأهل.

وفي نهاية المطاف لم تجد بدا من الذهاب خفية إلى بعض أقارب والدتها في القاهرة، ومن عندهم توجهت لقسم الشرطة وأبلغت عما يحدث لها من إكراه على الزواج.. استدعت

الشرطة والدها وأعمامها وأخذت عليهم "تعهدا" بعدم تزويجها ممن لا تريد رغما عنها..

ربما تكون ياسمين قد نجحت بتصرفها في ردع أهلها؟ ولكن البعض يقولون إنها جنت على نفسها لأنها لن تتزوج أبدا بعد تعهد أهلها "بوقف حالها" مادامت على قيد الحياة.

"رباب" فتاة أخرى، لها نفس قصة ياسمين ماعدا رد الفعل المختلف.. فابن عمها كان يريدها زوجة وهي ترى أنها نشأت معه في نفس المنزل ولا تجد فيه مؤهلات الزوج الذي تطمح فيه.. رفضته "رباب" بكل ذوق وذكرت لأهلها الأسباب وراء ذلك الرفض، ولكنهم كالعادة لم يسمعوا لبنت "مفعوصة".. ذهبت رباب للزواج بمن أحبته بعدما رفضه أهلها زاعمين أنها محجوزة لابن عمها، ولم تذهب وحدها ولكن برفقة أخيها الصغير الذي لم يرض بهذا الظلم.

تزوجت رباب بمن أحبته بعيدا عن الأسرة بمعرفة أخيها الصغير الذي اتخذ موقفا مؤيدا لها رافضا هذا الظلم الذي تتعرض له، ولكنهم وجدوها بعد طول بحث وقاموا بتطليقها غصبا وتزويجها ابن عمها الذي لا رغبة لها فيه في نفس أسبوع طلاقها!

غباء وتعنت ودلع ماسخ

في تعليقها على هذا الموضوع تقول د. نعمت عوض الله، المستشارة الاجتماعية ومنسقة الزواج المعروفة، : بداية لا يجوز فى أى شرع – إذا كنا سنحتكم للدين – إكراه الفتاة على الزواج، وتتساءل : لماذا وصلت العلاقة بين الأبناء والآباء إلى هذا الطريق المسدود؟ وهل ترفض الفتاة العريس لمجرد أن أهلها رشحوه؟ هل تنتظر أن تلتقى بالحب؟ هل حاولت أن تتقبل العريس المعروض عليها وتتعرف عليه قبل أن تكون رأيا بالرفض؟ نعم إكراه فتاة على الزواج باطل.. ولكن رفضها للزواج لمجرد أنه من طرف الأهل بدون إعطاء فرصة حقيقية للمتقدم غباء وتعنت ودلع ماسخ .

وتتعجب المستشارة من موقف الفتاة بذهابها لقسم الشرطة لتتساءل :كيف تجرؤ بنت الريف المغلق على التقدم بشكوى فى قسم البوليس ضد أهلها كما تفعل بنات الأمريكان إذا كان الأمر يتعلق بطبيعة القرى والجهل والعادات القبلية ؟؟

وتجيب: أتصور أن هناك مشكلة كبيرة لدى الشباب والبنات، فربما بخروج الفتاة للتعليم خرجت عن الشكل

المقبول للفتاة فى مجتمعنا الذي نعيش فيه، وأصبحت تشكل لأبيها الجاهل مشكلة كبرى أنها "خرجت عن طوعه" أو " ستتسبب له في العار والفضيحة"، ولقد تابعت بنفسي في إحدى القرى الصغيرة قصة شاب ذهب لخطبة فتاة وكان الفارق بين مستوى الأسرتين كبيرا، إذ إن أبو الفتاة يمتلك "قراريط" وأبو الشاب "أًجري" .. فتم رفضه ورفض الفكرة كلها أساسا، فما كان من الشاب إلا أن قال على مرأى ومسمع من الوسيط الذى حمل الرفض لأبيه: " ولا يهمك يابا بكره يجروا ورانا أنا متجوزها عرفي من سنتين".

الإجبار يعني الفشل

ومن جانبه يقول د.محمد سعدي، عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وعضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر، : عندما جعل الله الولاية للرجال على النساء لم يجعلها لكي يضير الآباء البنات أو يجبر الأب ابنته على الزواج ممن لا تحب، فالمرأة لها الحرية المطلقة في اختيار زوجها، وأيضا من حقها الرجوع إلى طليقها إن هي أرادت ذلك، والولي لا يملك إلا الموافقة، ويحرم عليه العضل إن كان المتقدم للمرأة رجلا من أهل الدين والعفاف والأخلاق الكريمة.

وقد أوجب الإسلام على الأب أو الولي استئذان الفتاة البالغة فإن هي قبلت أمضى العقد وإلا فليس من حقه أن يجبرها على الزواج، فإن فعل فقد ارتكب إثمًا، وقد جعل الشرع للفتاة حق الخيار فإن هي رفضت فلترفع أمرها إلى القاضي الذي سيحكم بتطليقها.

ويستطرد: لو نظر الأب إلى عواقب الأمور في المستقبل لوجد أن الزواج ما شرع إلا لبناء الأسر المستقرة السعيدة، وهو بإجباره هذا قد حكم على الزيجة بالفشل من بدايتها، والزواج لا يبنى إلا على المودة والتفاهم فإن غابت المودة وانتفى التفاهم فأي زواج سيبنى؟!

والعمل على إبطال مثل هذه الزيجات قبل أن تبدأ خير من أن تتزوج المرأة وهي كارهة ثم تقلب حياة زوجها جحيما وقد تطلق ويكون هناك أبناء يتحملون نتيجة القرارات غير الصائبة.

ويضيف السعدي: كم كنت أود أن يكون لوالد الفتاة وهو وليها والقائم على أمرها كلمة على إخوته يستطيع بها أن ينقذ ابنته من ظلمهم، فما جعل الله القوامة والولاية للرجال إلا لقيامهم بالأصلح لمن كان تحت ولايتهم.

حيث لا يحق لأحد أن يجبر فتاة على أن تتزوج برجل لا رغبة لها فيه، على أن لأقاربها حق نصحها وإرشادها وتبصيرها بما يصلح لها وما لا يصلح، وأن يقنعوها بالمعروف فإن هي اقتنعت تزوجت من غير إجبار ولا إكراه.