رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

4 أيام في شوارع القاهرة.. حكايات طبيبة

هو و هى

الاثنين, 07 فبراير 2011 08:13
كتبت – فادية عبود:

بسمة.. طبيبة شابة تعمل بمستشفي قصر العيني، عاشت أربعة أيام من الرعب والفزع داخل مظاهرات الشباب في ميدان التحرير والإسعاف والجيزة ،

تعرضت للضرب والإهانة من رجال الأمن، ورغم ذلك ورغم أنها لا تنتمي لأي حركة سياسية إلا أنها أصرت على الاستمرار في التظاهر .
تحكي بسمة بداية قصتها قائلة : لم أتلق أي دعوات من صفحة خالد سعيد أو شباب 6 إبريل، وإنما أخبرني أصدقائي بأن هناك دعوات لتظاهر الشباب واعتراضهم على فساد البلاد، توقعت أنا وكثيرون أن تكون المظاهرة قليلة العدد والاعتصام مشابها لاعتصام 6 إبريل، ولكن عندما شاهدت المظاهرة السلمية على الفضائيات الإخبارية أيقنت أن الشباب قرروا أن يثورا بتحضر على سوء الأحوال، ولم أقرر المشاركة فعلياً إلا عندما أخبرني أصدقائي بالانتهاك البشع الذي حدث للمتظاهرين العزل من قبل الأمن وإطلاق الرصاص الحي عليهم ليلة 26 يناير.
ضرب وانتهاك
كان يوم الأربعاء 26 يناير أطول يوم عاشته بسمة، على حد قولها، بدأ بالصدمة التي شاهدتها في ميدان التحرير.. تصفها قائلة : اتفقت مع زملائي المشاركين في المظاهرات على الالتقاء في ميدان التحرير، لكني لم أتمكن وطبيب زميلي من الوصول إليهم بسبب انقطاع شبكة المحمول في الميدان، وبالقرب من مطعم "هارديز" رأيت أول مشهد صادم لي، فقد رأيت 25 رجلا وشابا يركعون على الأرض وشرطيون في ملابس مدنية يضربونهم بعنف، حينها شعرت بالغيرة على إنسانيتهم وبضياع كرامة المصريين كافة، فتوجهت مع زميلي إلى الإسعاف بعد فض مظاهرات ميدان التحرير، ونظراً لغلق جميع الطرق المؤدية إلى هناك قطعنا الطريق سيراً على الأقدام حتى وصلنا إلى نقابة الصحفيين.
تتابع: شاهدنا هتافاتهم على سلالم النقابة والأمن المركزي يفرض عليهم طوقاً من الحصار، وإذا برجال في زي مدني يأمرونا بالرحيل، وعندما رفضت وأخبرتهم بأننا لسنا الوحيدين الواقفين في الشارع انقضوا على زميلي الذي لم يوجه إليهم أي كلام وأخذوا يضربونه ضرباً مبرحاً وكأنهم يخوفونني لأتراجع، فتعالت صرخاتي.. عندها تحول رجال الشرطة (ضباط وعساكر ) واشتركوا جميعا في ضربي بعد أن أحاطنا الأمن المركزي بحلقة محكمة، وعندما تعالت صرخاتي أكثر شرع الصحفيون المحبوسون بالهتاف ليتركنا الأمن.
هروب كده وكده
وتضيف بسمة : نجح الأمن في إصابتنا بفزع بالغ لم أتخلص منه حتى الآن، وبعد ضرب مبرح اعتقلوا زميلي وألقوا به في سيارة أمن مركزي، أما أنا فكنت أطير في الهواء لأرتطم بالأرض من شدة الضربات الموجهة إليّ، ثم أقف من جديد ويعاودون هم الكرّة ، حتى استطعت الفرار منهم باتجاه نقابة المحامين واحتميت بالمتظاهرين في المظاهرة الكبيرة هناك، وفي الوقت نفسه استعطف زميلي عساكر الأمن المركزي المحبوس معهم في السيارة المصفحة ليتركوه، وعقد معهم صفقة أن يسمحوا له بالهرب بشرط أنه في حال القبض عليه يعترف بأنه هو الذي هرب، وبالفعل تعالت صيحاتهم وكأنهم يشتبكون معه ثم ألقوا به من السيارة بقسوة فزادت كدماته وجروحه.
دقائق أطول من ساعات
تؤكد بسمة بأن جميع تلك الانتهاكات وقعت خلال دقائق لم تتعد الساعة إلا أنها مرت عليها أطول من الأيام، وتقول : خرجنا من تلك العلقة الساخنة بكدمات دون كسور فيبدو أنهم مدربون على الضرب المؤلم دون إحداث إصابات، بينما كانت أكثر الخسائر التي خرجنا بها هي تحطيم نظارة زميلي فكانت مأساة كبرى لأن نظره ضعيف جداً ولا يرى بدونها.
وتتابع : رغم أننا أطباء في قصر العيني لم نستطع التوجه إليه لإسعاف زميلي وإجراء كشف نظر له من جديد، لأن التعليمات لدينا أن أي متظاهر يتوجه إلى المستشفى بإصابات يتم تحويله فورا إلى الشرطة، وبالتالي توجهنا إلى عيادة خاصة في المنيل للحصول على نظارة فورية لزميلي، وعندما رأى الطبيب آثار الضرب التي كانت واضحة علينا وسألنا وعلم أننا أطباء متظاهرون رفض قبول قيمة الكشف.
وتتوالى الأيام الغاضبة
الرعب والفزع والإهانة لا يمكن أن تقمع الإنسان بل تولد لديه شعوراً بأنه صاحب قضية يناضل من أجلها، هذا ما حدث مع بسمة التي قررت عدم الاستسلام وشاركت في تظاهرة الخميس 27 يناير مؤكدة أن عناصر الشرطة التي كانت ترتدي
ملابس مدنية كانت أكثر بكثير من الشرطة المرتدية للزي الرسمي.
وفي جمعة الغضب ومع انقطاع الاتصالات توالت المفاجآت التي تحكيها بسمة الطبيبة الشابة، تقول عنها: رغم الفزع المسيطر عليّ حتى الآن، ورغم الشتائم التي قذفني بها الجميع بداية من أعلى الضباط رتباً وحتى أصغر عسكري، قررت الدفاع عن حرية وطني والتعبير عن غضبي في جمعة الغضب..
ومع انقطاع الاتصال تفرقت عن زملائي ونزلت وحدي تظاهرة ميدان الجيزة لأنها الأقرب إلى منزلي، فقصدت مسجد الاستقامة للصلاة وكانت أولى المفاجآت أن خطبة الجمعة في هذا المسجد الكبير لم تتجاوز الدقيتين، لذا وبعد نهايتها قصدت مسجد النصر وكانت الخطبة رائعة هناك، و قبل أن تكتمل إذا بضابط يدخل المسجد فيتوقف الخطيب عن خطبته وينهيها مسرعا، ومع انتهاء الصلاة بدأت قوات الأمن في تفريق المصلين الخارجين من المسجد بالماء ثم القنابل المسيلة للدموع والرصاص الحي والمطاط الممنوع دولياً، فأسرعت للاختباء داخل مدخل عمارة اختبأ فيها الكثير من المتظاهرين .
وتتابع : هتافاتنا المؤكدة على سلمية التظاهرة لم ترجع الأمن عن ملاحقتنا داخل مدخل العمارة، كنا نستجديهم بترديد كلمة " سلمية .. سلمية" فكانوا يلقون القنابل المسيلة للدموع داخل المدخل، ويحاولون ضربنا بالرصاص الذي انهمر بشدة فوق رؤوسنا حتى احترقت سيارتان أمام العمارة .
خيانة الأمن
بسمة شاهدة العيان من قلب أحداث جمعة الغضب تؤكد على خيانة عناصر الشرطة قائلة: في ظل انقطاع الاتصالات وكثرة أعداد المصابين انسحب الأمن في تمام الساعة الخامسة، ورغم قسوتهم المبالغ فيها إلا أنهم كانوا المصدر الوحيد لاستدعاء الإسعاف، وبعد رحيلهم لم تأتنا أية سيارات إسعاف أخرى وحاولنا إسعاف المصابين قدر المتاح والتوجه بهم إلى مستشفيات خاصة، أما البرادعي فقد أسرع للاختباء داخل مسجد الاستقامة بمجرد فتحه أثناء محاولة تفريق المتظاهرين بالمياه، ولم يخرج من المسجد إلا بعد رحيل الأمن وانتهاء المظاهرات .
ومع انسحاب الشرطة من الشوارع بدأت أعمال السلب والنهب، على حد قول بسمة، مؤكدة أنها وبعد هدوء ميدان الجيزة توجهت إلى ميدان التحرير سيراً على الأقدام، وبمجرد رؤية البعض يهرب بمسروقات من الحزب الوطني المشتعل، سارع الشباب بتكوين جبهة حماية للحزب رغم رفضهم له وكانوا يلقون بالمسروقات في النيل.
ومع بداية يوم السبت لم تتوقف بسمة عن مشاركتها في الأحداث الجارية، ونزلت مع زملائها إلى شارع جامعة الدول بعد الدمار الذي حلّ به ليقدموا مساعدتهم ويحمون ما تبقى منه.
وتختم بسمة حديثها قائلة: في الوقت الذي تتصارع فيه الأحزاب على السلطة، وفي الوقت الذي يعرض مبارك حلولا قد نقبلها على مضض حقناً للدماء، لم يدفع كلا الطرفين ثمن الثورة، وأريقت دماء الشهداء من الشباب لتكون ثمناً للحرية دون انتماء لأحزاب سياسية .