رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الأمن القومى والقوى الناعمة

هبة عبدالعزيز

السبت, 11 أكتوبر 2014 22:04
بقلم: هبة عبدالعزيز


قال الله تعالى: «فليعبدوا رب هذا البيت الذى أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف» صدق الله العظيم.. والأمن فى الآية الكريمة هنا جاء بمعنى أنه ضد الخوف, والخوف يعنى التهديد الشامل سواء الاقتصادى أو الاجتماعى أو السياسى الداخلى منه والخارجى.. وهذا هو تعريف مبسط لمصطلح «الأمن القومى»، إذن فالحفاظ على أمن الدولة ومقدراتها هذا هو مضمون الأمن القومى، والامن القومى يقوم على العديد من الأبعاد, فهناك البعد السياسي، والاجتماعي، والاقتصاى، والبيئى, والمعنوى «الأيديولوجى».. كما أن له مستويات عدة: مستوى الفرد, والدولة, والقطر, والمستوى الدولى.

عرفت مصر حدود أمنها القومى, الذى يمتد جنوباً حتى منابع النيل لتأمين تدفقه, وشرقاً إلى الخليج العربى, وغرباً حتى بلاد المغرب العربى, وشمالاً إلى جنوب أوروبا, ومتى عرفت مصر أمنها القومى كان ذلك أهم عوامل ازدهارها وتقدمها, هكذا عرفته منذ قديم الزمان بدءاً من رمسيس الثانى, وصلاح الدين الأيوبى, مروراً بمحمد على باشا, ووصولاً إلى جمال عبدالناصر.
والامن القومى لأى دولة يقوم على ثلاث قوى وهى: القوى العسكرية, والقوى الاقتصادية وهما ما يطلق عليهما مصطلح «القوى الخشنة» أو الصلبة, بالإضافة أيضاً إلى القوى الناعمة, وهى التى تعطى للدولة سلطة تجعلها متمكنة من صناعة النهضة, بأن يكون للدولة قوة معنوية من خلال مجموعة من الأفكار والمبادئ والأخلاق, فى مجالات حقوق الإنسان والبنية التحتية والثقافة والفن, تحت راية ما يسمى «الإعلام الموجه» والمقصود هنا التوظيف الإيجابى لهذا المصطلح وليس العكس, وتعتبر أفضل الأسلحة كبديل عن استخدام القوى العسكرية, دون تكلفة الحرب الباهظة, ومن أدواتها: الموارد البشرية, وصناعة السينما والإعلام, والمؤسسات الإقليمية أو الدولية.. والقوى الناعمة قد تستخدمها الدولة إما للحفاظ على أمنها القومى

وحمايته, أو للتأثير على دول وشعوب بعينها, لتحقيق مصالح معينة، فمثلاً رأينا الاستعمار الفرنسى ومحاولته دائماً طمس الهوية, واستعمار الإنسان, وبدت تلك المحاولات جالية فى كل من لبنان والجزائر.. كما نرى أن أمريكا تستعمل نفس السلاح أيضاً, فالإعلام والسينما, والمنح, والبرامج الدراسية, وورش العمل, والمحاضرات وغيرها من وسائل القوى الناعمة الموجهة لبعض الدول, التى تستخدم لنفس الغرض وهو تحقيق مصالح وأهداف معينة.
وقد كان الزعيم الراحل «جمال عبدالناصر» على وعى بأهمية القوى الناعمة ودورها فى مسألة الأمن القومى، حيث قام باستغلال الطفرة الثقافية لما قبل 1952 وعمل على تنميتها ودعمها وتوجيهها, فكانت مصر قبلة للفن والكتابة والغناء، فقد قام «عبدالناصر» بإنشاء إذاعة صوت العرب, وأول وأكبر إذاعة للقرآن الكريم, كما أنشأ استاد القاهرة الرياضى, ووضع حجر الأساس للكاتدرائية المرقسية بالعباسية فى احتفال حضره إمبراطور إثيوبيا «هيلاسيلاسى», كذلك استغل مكانة الأزهر الشريف الوسطية, وقام بافتتاح مدينة البعوث الإسلامية بالأزهر لاستقبال طلاب الدول الإسلامية للدراسة من آسيا وأفريقيا, وقد عمل ذلك على خلق جيل من الشباب فى تلك الدول لتبوؤ المراكز السياسية بها, وأنشأ أيضاً الهيئة العامة لقصور الثقافة, وأكاديمية تضم المعاهد العليا للمسرح والسينما, والأوبرا.. ومختلف أنواع الفنون الأخرى وغيرها كثير، فقد عمل نظام عبدالناصر على تفعيل قوة مصر الناعمة لتكون أداة مؤثرة للدولة المصرية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية على الأرض, ما كان له الفضل أيضاً فى تعزيز مكانة مصر, وقوة
تأثيرها على المستويين العربى والأفريقى, وبالتالى الدولى.. وقد كان التوزيع العادل للثقافة أحد أهم عناصر نجاح التجربة الناصرية فى استخدام القوى الناعمة.
وبرغم ثراء التجربة الناصرية «فى استخدام القوى الناعمة», إلا أنه يجب أن نعى جيداً أننا نعيش فى زمن وظروف مختلفة, فهذه التجربة كان فيها كل أشكال الفنون تقول كلمة واحدة, ورأياً واحداً وتعبر عن أيديولوجية واحدة كذلك, وعليه علينا أن نراعى ألا تكون إعادة إنتاج التاريخ هي المستقبل الذى نسعى إليه, فإن الزخم الفكرى والثقافى الحقيقى هو ما ينتج الإبداع والتجديد الذى نحتاج إليه.
والوضع الثقافى الحالى فى مجمله كما نراه وصل إلى درجة من التدنى, جعلت هذا الطريق درباً لانحطاط الوجدان, ولا توجد للقدوة مكان فيه, وأصبح موت الضمير هو البطل, وهو أيضاً مقياس النجاح لكتاب الأفلام, وأصبح ذلك سمة من سمات الفن وليست ظاهرة, وتكريس هذا التدنى والانحطاط بواسطة العديد من وسائل الإعلام, ومقدرته على التأثير فى الوعى والوجدان رسالة يقوم بها بجدارة يحسد عليها.
إن أخطر ما نواجهه الآن هو الاستقطاب القوى الذى يحرمنا من التنوع الثقافى لظروف المرحلة الحالية, ولذا يجب على الدولة الانتباه جيداً لما يحدث, فالتجديد والابتكار سيظلان مرادفين للجمال الذى يثرى الحياة الثقافية, ويبعث فيها الروح, ويجعل منها ترياق الحياة، وسيظل التمويل إحدي أهم العقبات لتحقيق ذلك, إلا أن الاستعانة بخبرات الدول حول العالم, وتشجيع رؤوس الأموال المصرية والعربية, هما من واجب الدولة الآن, وذلك من خلال وضع تشريعات مشجعة للنهوض فى شتى مجالات تنمية المواطن, وتمهيد الأرض للقيام بهذا الدور من خلال مؤسستها, والقطاع الخاص أيضاً, الذى يتم تحفيزه هو الآخر ببيان الدور الاجتماعى, والأرباح المادية والمعنوية التى سيجنيها جراء نجاحه فى هذا المجال.. وهذا كله لا يتأتى إلا من خلال إرادة سياسية جادة وبرنامج عمل محدد للنهوض بالبلاد.
فإعادة بناء الإنسان المصرى ستظل الركن الأساسى والأهم فى مسألة الأمن القوى، فهل سنبدأ من الآن؟.. أم ننتظر.. متى؟.. ومتى ستشهد بلادنا الغالية ميلاد قامات جديدة فى شتى مجالات الفنون والثقافة؟ البيئة الصالحة تنبت أجيالاً مبدعة.. وهذا ما يجب علينا السعى إليه.


 

ا