الحزب الحاكم لا‮ ‬يرى‮.. ‬ولا‮ ‬يسمع ولا‮ ‬يتكلم‮!‬

نبيل زكي

السبت, 08 يناير 2011 08:13
بقلم‮: ‬نبيل زكى

فى‮ ‬يوم‮ ‬13‮ ‬نوفمبر عام‮ ‬1972،‮ ‬أصدر مجلس الشعب قراراً،‮ ‬بناء على طلب رئىس الجمهورية،‮ ‬بتشكيل لجنة خاصة لتقصى الحقائق حول الأحداث الطائفية التى وقعت فى مركز الخانكة،‮ ‬وإعداد تقرير للمجلس عن حقيقة ما حدث‮. ‬وقد تشكلت هذه اللجنة برئاسة الدكتور جمال العطيفى وكيل المجلس‮.‬

ورأت اللجنة أن حادث الخانكة ـ وهو أحد الحوادث التى تكررت خلال ذلك العام ـ‮ ‬1972‮ ‬ـ‮ ‬يطرح بصفة عامة وأساسية موضوع العوامل المؤثرة على العلاقات بين طوائف الشعب‮.‬

واستطاعت اللجنة،‮ ‬من خلال المناقشات التى أجرتها والدراسات التى قامت بها أن تستظهر جملة أسباب مباشرة تولد احتكاكاً‮ ‬مستمراً‮ ‬يمكن أن‮ ‬يكون تربة صالحة لزرع الفرقة والكراهية وتفتيت الوحدة الوطنية‮.. ‬منها الترخيص بإقامة الكنائس‮.‬

وجاء فى تقرير اللجة‮: ».. ‬وفى عصرنا الحديث لايزال تنظيم إقامة الكنائس أو تعميرها وترميمها‮ ‬يخضع لأحكام الخط الهمايونى الصادر من الباب العالى فى فبراير‮ ‬1856‭.‬‮. ‬وقد تقرر فى الخط الهمايونى إباحة إقامة الكنائس أو ترميمها بترخيص من الباب العالى‮»!!«...‬

وأوضح تقرير اللجنة التى شكلها مجلس الشعب‮:‬

‮».. ‬إن الكثير من الكنائس القبطية قد تقادم العهد به،‮ ‬فلا‮ ‬يعرف شىء عن تطبيق الخط الهمايونى بشأنه،‮ ‬ولكن فى شهر فبراير عام‮ ‬1934،‮ ‬أصدر وكيل وزارة الداخلية العربى باشا قراراً‮ ‬بالشروط التى‮ ‬يتعين توافرها للتصريح ببناء كنيسة،‮ ‬وقد سميت بالشروط العشرة،‮ ‬وهذه الشروط هى التى مازالت مطبقة حتى الآن‮....«.‬

وهذه الشروط تجعل بناء الكنائس‮.. ‬من المستحيلات‮.‬

وهنا تؤكد اللجنة التى شكلها مجلس الشعب ما‮ ‬يلى‮:‬

وقد تبينت اللجنة أن من أهم الأسباب التى تؤدى الى الاحتكاك وإثارة الفرقة عدم وضع نظام ميسر لتنظيم هذه التراخيص دون تطلب صدور قرار جمهورى فى كل حالة‮. ‬ذلك ان استصدار هذا القرار‮ ‬يحتاج الى وقت،‮ ‬وكثيراً‮ ‬ما تتغير،‮ ‬خلاله،‮ ‬معالم المكان الذى أعد لإقامة الكنيسة،‮ ‬مثل أن‮ ‬يقام مسجد قريبا منه مما‮ ‬يخل بتوافر الشروط العشرة‮. ‬ونتيجة لبطء الإجراءات كثيراً‮ ‬ما تلجأ بعض الجمعيات القبطية إلى إقامة هذه الكنائس دون ترخيص،‮ ‬وفى بعض الحالات تتسامح جهة الإدارة فى ذلك،‮ ‬وفى حالات أخرى‮.. ‬يجرى تحقيق مع المسئول عن الجمعية،‮ ‬وهو أمر بادى التناقض بين احترام سيادة القانون من ناحية،‮ ‬وبين احترام حرية ممارسة الشعائر الدينية من ناحية أخرى،‮ ‬هو المبدأ الذى كفله الدستور فى مادته السادسة والأربعين،‮ ‬والذى جاء نصه مطلقاً،‮ ‬وهو‮ ‬يجرى كالآتى‮: »‬تكفل الدولة حرية‮ ‬ممارسة الشعائر الدينية‮«.‬

‮* * *‬

وقد تصدى القضاء المصرى فى احكامه للخط الهمايونى فى القضية المقيدة بالجدول العمومى بمجلس الدولة

رقم‮ »‬538‮« ‬لسنة خمسة قضائية،‮ ‬الذى أصدره الفقيه الأستاذ الدكتور عبدالرازق السنهورى الذى أصدر حكمه بمايلى‮:‬

‮»‬ان اشتراط تراخيص فى إنشاء دور العبادة على نحو ما جاء فى الخط الهمايونى لا‮ ‬يجوز أن‮ ‬يتخذ ذريعة لإقامة عقبات لا مبرر لها دون إنشاء هذه الدور لا‮ ‬يتفق مع حرية إقامة الشعائر الدينية،‮ ‬إذ أن الترخيص المنصوص عليه فى هذا الخط لم‮ ‬يقصد به عرقلة إقامة الشعائر الدينية،‮ ‬بل أريد به أن‮ ‬يراعى فى إنشاء دور العبادة الشروط اللازمة التى تمكن هذه الدور من أن تكون قائمة فى بيئة محترمة تتفق مع وقار الشعائر الدينية وطهارتها‮.. ‬

ولا حق لوزارة الداخلية فى وقف أو تعطيل هذه الشعائر،‮ ‬كما انتهت محكمة النقض فى القضية رقم‮ »‬823‮« ‬المقيدة بجدول المحكمة‮ »‬718‮« ‬لسنة‮ »‬41‮« ‬قضائية بجواز عقد الاجتماعات الدينية فى أى محل‮ ‬غير أماكن العبادة وبدون إخطار رسمى‮«.‬

وأشار تقرير لجنة مجلس الشعب الى حكم محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة فى‮ »‬26‮ ‬فبرااير عام‮ ‬1951‮ ‬ـ فى ظل دستور‮ ‬1923‮ ‬ـ بإلغاء قرار لوزير الداخلية برفض الترخيص بإنشاء كنيسة‮.. ‬وكان أساس الرفض قلة عدد أفراد الطائفة،‮ ‬وقالت المحكمة فى حكمها أنه ليس فى التعليمات نص‮ ‬يضع حداً‮ ‬أدنى لعدد الأفراد الذين‮ ‬يحق لهم إقامة كنيسة،‮ ‬وطالبت اللجنة بإعادة النظر فى نظام التراخيص ببناء الكنائس بغية تبسيط إجراءاته،‮ ‬ونبهت الى خطر استمرار تعامل الدولة مع مسألة بناء وإصلاح الكنائس على أساس الخط الهمايونى‮.‬

‮* * *‬

لماذا نحرص على تذكير القراء بتقرير لجنة مجلس الشعب برئاسة الدكتور جمال العطيفى؟

لأنه على مدى أربعين سنة ـ منذ حادث طائفى فى بلدة‮ »‬أخميم عام‮ ‬1970‮ ‬ـ لم تتحرك حكومات الحزب الوطنى‮.. ‬لمحاولة علاج أية مشكلة تتعلق بما‮ ‬يمس النسيج الوطنى الواحد،‮ ‬ولم تبذل أى جهد ـ فيما عدا الخطب البلاغية والشعارات والأغانى وتبويس اللحى ـ لإزالة الأسباب المؤدية إلى الاحتقان الطائفى‮.‬

حكومات الحزب الوطنى لا ترى ولا تسمع شيئاً‮.. ‬ولا تتكلم سوى بالعبارات الطنانة،‮ ‬وتحرص على الإبقاء على كل شىء‮.. ‬على ما هو عليه‮!‬

يحدث ذلك فى مصر رغم أنها شهدت لأول مرة،‮ ‬فى تاريخها،‮ ‬ما‮ ‬يسمى بالقتل

على الهوية،‮ ‬أى إقامة مذابح جماعية لمواطنين لمجرد انهم‮ ‬ينتمون إلى دين معين‮.‬

ورغم أن شبح الكارثة وانهيار مفهوم الشعب الواحد ووحدة الوطن‮ ‬يلوح منذ وقت‮ ‬غير قصير‮.. ‬إلا أن الدولة لا تفعل شيئاً‮ ‬يمكن ان‮ ‬يؤدى الى تجنب كوارث أكبر وأفدح ويحرص النظام الحاكم على الهروب من أى مسعى لمراجعة،‮ ‬سياساته ومواقفه‮.‬

وليس من المصادفة أن تطالب‮ »‬21‮« ‬منظمة حقوقية بمحاسبة المسئولين عن التقصير فى حماية كنيسة القديسين بالإسكندرية،‮ ‬وان تعلن ان دم المصريين ليس أرخص من دم السياح الأجانب الذين راحوا ضحايا حادث الأقصر‮.. ‬وأقيل على إثره وزير الداخلية السابق‮.‬

وليس من المبالغة فى شىء أن كل هذه الأحزاب والمنظمات تطالب بمحاسبة الذين مهدوا لهذا المناخ الفاسد المتعصب الذى‮ ‬يميز بين أبناء الوطن الواحد وأن تعتبر ان الدولة ـ بكل أجهزتها مسئولة عن المناخ الطائفى‮.‬

‮.. ‬فإذا كان الحزب الحاكم‮ ‬غير قادر على رفع مستوى معيشة المصريين وغير قادر على فرض القوانين وغير قادر على إلغاء التمييز الدينى والاجتماعى‮... ‬وإذا‮ ‬كانت أجهزة الأمن قد ركزت اهتمامها على تأمين سلامة أقطاب النظام الحاكم باعتبار ان ذلك اكثر أهمية من حماية أرواح المصريين‮.. ‬فإن ذلك‮ ‬يتطلب إعادة النظر فى كل شىء‮ ‬يجرى فى مصر من أجل إيجاد حلول حقيقية وجذرية لصيانة التماسك الوطنى‮.‬

‮* * *‬

وإذا كانت مذبحة الإسكندرية نتيجة لتدبير خارجى،‮ ‬فإن ذلك‮ ‬يعنى أن المنظمات الإرهابية الأجنبية،‮ ‬أصبحت موجودة فى بلادنا وقادرة على ارتكاب المجازر‮..‬

‮.. ‬وهذا‮ ‬يعنى فشلاً‮ ‬فاضحاً‮ ‬للحزب الحاكم‮.‬

وإذا كانت مذبحة الإسكندرية نتيجة لمخطط داخلى على أيدى عناصر إرهابية محلية‮.. ‬فإن هذا‮ ‬يعنى فشلاً‮ ‬ذريعاً‮ ‬للحزب الحاكم‮..‬

وفى الحالتين،‮ ‬فإن العدو‮ ‬يحتاج الى مناخ عام وتربة خصبة داخلية لتسهيل تجنيد العملاء وارتكاب جرائمه،‮ ‬وقد حرص الحزب الحاكم على مدى سنوات على التساهل أو‮ ‬غض الطرف أو التغافل عن الجهود المحمومة التى‮ ‬يبذلها دعاة تقسيم الأمة‮.. ‬ان لم‮ ‬يكن قد ساهم فيها سواء بوعى أو بدون وعى‮.‬

لقد ساءت سمعة مصر فى العالم كله على‮ ‬يد هذا الحزب الحاكم بسبب احترافه لتزوير الانتخابات وبسبب تدميره للوحدة الوطنية‮..‬

فالدولة لم تتخل فقط عن دورها فى التنمية والاستثمار‮.. ‬بل ايضاً‮ ‬عن دورها فى حماية الوطن من خطر التمزق‮..‬

ولم‮ ‬يصدر النظام الحاكم أى قوانين لتفعيل مبدأ المواطنة وتركه ليصبح حبراً‮ ‬على ورق،‮ ‬وتقاعس عن اصدار قوانين من شأنها تجريم أي‮ ‬تمييز بين مواطن وآخر بسبب المعتقد الدينى أو الأصل العرقى أو المركز الاجتماعى‮.‬

والنظام الحاكم لم‮ ‬يرفع القيود المفروضة على بناء وترميم الكنائس ولم‮ ‬يغير مناهج التعليم التى تدعو الى التعصب الدينى والتمييز بين المواطنين ولم‮ ‬يفكر فى تأهيل المعلمين والدعاة الدينيين ليكونوا على مستوى مبدأ المواطنة‮.‬

ومازالت برامج الإعلام‮ ‬غير مؤهلة للمساهمة بدورها فى الدعوة الى التسامح الدينى‮..‬

ومازالت قصور الثقافة بعيدة عن الهدف المنشود،‮ ‬وهو نشر ثقافة احترام الآخر والمساواة بين المواطنين بصرف النظر عن معتقداتهم الدينية،‮ ‬ومازالت توصيات لجنة العطيفى‮.. ‬لا تجد آذاناً‮ ‬صاغية‮!‬

ومازال‮ »‬الملف القبطى‮« ‬فى أيدى سلطات أجهزة الأمن التى برهنت على أنها تتصرف على نحو‮ ‬يؤدى الى تفاقم الاحتقان الطائفى‮.. ‬ومازال كل شىء على ما هو عليه‮!‬