لماذا تقف دول عربية‮.. ‬على حافة الهاوية؟

نبيل زكي

السبت, 25 ديسمبر 2010 07:58
بقلم‮: ‬نبيل زكى

فى هذا الشهر،‮ ‬انتهت مدة خدمة الجنرال عاموس‮ ‬يادلين،‮ ‬رئىس المخابرات العسكرية الإسرائيلية التى‮ ‬يطلق عليها ـ اختصاراً‮ ‬ـ اسم‮ »‬أمان‮«. ‬وخلال تسليمه مهام منصبه لخليفته الجنرال‮ »‬آفيف كوخفى‮« ‬فى حضور المراسلين الحربيين لوسائل الإعلام الإسرائىلية،‮ ‬قال عاموس‮ ‬يادلين‮:‬

 

‮»‬لقد أنجزنا خلال الأربع سنوات ونصف الماضية،‮ ‬كل المهام التى أوكلت إلينا،‮ ‬واستكملنا العديد من المهام التى كان من سبقونها قد شرعوا فى تنفيذها‮... ‬لقد أعدنا تشكيل عدد كبير من شبكات التجسس لصالحنا فى لبنان،‮ ‬وشكلنا العشرات مؤخراً،‮ ‬وصرفنا من الخدمة العشرات أيضاً‮.. ‬كما قمنا بإعادة تأهيل عناصر أمنية داخل لبنان‮..‬،‮ ‬ونجحنا فى إحداث اختراقات عديدة فى إيران،‮ ‬وقمنا بأكثر من عملية اغتيال وتفجير لعلماء‮ ‬ذرة وقادة سياسيين،‮ ‬وتمكنا ـ إلى درجة كبيرة ـ من مراقبة البرنامج النووى الإيرانى‮... ‬وفى السودان أنجزنا عملاً‮ ‬عظيماً‮ ‬للغاية‮.. ‬وشكلنا جهازاً‮ ‬أمنياً‮ ‬استخبارياً‮ ‬قادراً‮ ‬على توفير عناصر النجاح لمشروع الانفصال وإقامة دولة فى الجنوب ذات دور فاعل فى هذه المنطقة‮.‬

‮».... ‬أما فى مصر ـ الملعب الأكبر لنشاطنا ـ فإن العمل تطور حسب الخطط المرسومة منذ عام‮ ‬1979،‮ ‬فلقد أحدثنا عدة اختراقات‮... ‬فى أكثر من موقع،‮ ‬ونجحنا فى تصعيد التوتر والاحتقان الطائفى والاجتماعى لتوليد بيئة متصارعة متوترة دائماً،‮ ‬ومنقسمة إلى أكثر من شطر،‮ ‬فى سبيل تعميق حالة الاهتراء داخل البنية والمجتمع والدولة المصرية،‮ ‬لكى‮ ‬يعجز أى نظام‮ ‬يأتى بعد حسنى مبارك عن معالجة الانقسام والتخلف والوهن المتفشى فى مصر‮...«.‬

‮* * *‬

وبصرف النظر عن التفاخر،‮ ‬الذى‮ ‬يبدو واضحاً‮ ‬فى لهجة الجنرال عاموس‮ ‬يادلين وكشفه عن قيام إسراىل باغتيال‮ »‬عماد مغنية‮« ‬أحد قادة حزب الله اللبنانى،‮ ‬ومبالغاته فى كل شىء،‮ ‬وخاصة فى دور جهاز المخابرات العسكرية الإسرائىلى فى العمل فى الوسط الفلسطينى وفى كل من ليبيا وتونس والمغرب‮..‬

‮.. ‬وبصرف النظر أيضاً‮ ‬عن بداية سقوط جواسيس إسرائىل فى أيدى أجهزة الأمن فى كل من مصر ولبنان هذه الأيام‮... ‬فإن ما‮ ‬يلفت نظرنا فى هذا التقرير الذى‮ ‬يستعرض فيه الجنرال عاموس‮ ‬يادلين‮.. »‬إنجازاته‮« ‬هو ذلك الحرص الإسرائىلى على خلق احتقان طائفى فى مصر‮.‬

ورغم أن الجنرال الإسرائىلى لم‮ ‬يكشف عن شىء جديد لا نعرفه‮.. ‬إلا أن الحزب الحاكم فى بلادنا‮ ‬يتصرف على نحو لا‮ ‬يساعد على تحصين المجتمع من محاولات تخريب الوحدة الوطنية والدس والايقاع بين المسلمين والمسيحيين،‮ ‬ولم‮ ‬يحاول الحزب الحاكم الإقدام على خطوات جادة وجذرية لإنهاء هذا الاحتقان الطائفى،‮ ‬وإنما اكتفى بالعبارات الإنشائية التى تتكرر بعد كل حادث طائفى‮.‬

وغم وجود مساحات مشتركة،‮ ‬لا حصر لها ـ من القيم الأخلاقية والمفاهيم المعنوية‮ ‬يتفق عليها كل أبناء المجتمع المصرى التعددى،‮ ‬مما‮ ‬يشكل أساساً‮

‬متيناً‮ ‬لدعم النسيج الواحد والعيش المشترك‮.. ‬إلا أن النزوع الطائفى ـ وليس الدينى ـ وهو أقرب إلى الحالة القبلية،‮ ‬ظل‮ ‬ينظر إلى‮ »‬الآخر‮« ‬على أنه وجود منافس أو‮ ‬غير مرغوب فيه بينما النزعة الدينية تنظر الى‮ »‬الآخر‮« ‬على أساس انه موضوع للرحمة ـ كما فى الإسلام ـ أو موضوع للمحبة‮ »‬كما فى المسيحية‮«.‬

لم‮ ‬يبذل الحزب الحاكم أى جهد لكى‮ ‬يؤمن أفراد المجتمع بالتعددية الدينية،‮ ‬وبحق الآخر الدينى فى الوجود والمشاركة الفاعلة فى بناء المجتمع وإدارة الدولة،‮ ‬أى أنه على أبناء المجتمع التعددى التمسك بقيم العيش المشترك الذى‮ ‬يقوم على أساس التعاون ووحدة الهدف والوظيفة فى بناء الدولة العادلة لجميع أبنائها بمعزل عن انتمائهم الدينى‮.‬

لم‮ ‬يدرك الحزب الحاكم ان الاحتقان الطائفى‮ ‬يتمادى فى شحن الصدور وإشعال الغرائز،‮ ‬وأنه لا عاصم لنا‮.. ‬إلا فى الإرادة الوطنية الجامعة التى نستقوى بها على الصراع الداخلى وعلى رياح الخارج العاتية حتى تبقى مصر وطناً‮ ‬حصيناً‮ ‬لأبنائها الآمنين كافة،‮ ‬وليست ساحة مستباحة لصراعات إقليمية أو دولية‮.‬

‮* * *‬

ومصطلح‮ »‬الأقليات‮« ‬غريب عن إطار الحضارة العربية التى نظرت إلى الإنسان كمفهوم كونى شمولى،‮ ‬ومفهوم‮ »‬الأقليات‮« ‬لا معنى له فى عمق الثقافة الإسلامية‮.‬

فالأقلية الإسلامية فى أى مجتمع كانت أكثرية،‮ ‬لأنها حملت معها رسالة اتصال بالمفهوم الكونى للإنسان،‮ ‬وكذلك الأقلية العددية من‮ ‬غير المسلمين الذين حققوا ـ بأكثرية حضورهم ـ ما أثرى بغداد والأندلس‮.‬

وفى مشاريع الشرق الأوسط،‮ ‬التى نوقشت فى الكونجرس الأمريكى عام‮ ‬1979،‮ ‬تقررت استراتيجية ما سمى بحقوق الأقليات المذهبية والعنصرية‮. ‬كما صدرت فى عام‮ ‬2002‮ ‬دراسة تحت عنوان‮ »‬النزعة الشيعية‮«‬،‮ ‬وفى فصل عن‮ »‬صحوة المهمشين‮« ‬توقعت هذه الدراسة مستقبلاً‮ ‬من الصراع المذهبى فى عالمنا العربى والإسلامى‮.‬

والمشهد اليوم فى عدة دول عربية‮ ‬يكشف عن النتائج الكارثية لعملية استدراج تمليه سياسة دولية لتفجير صراعات طائفية ومذهبية‮.‬

وفى أزمنة سابقة،‮ ‬كان الايقاع الثقافى والحضارى واحداً‮.. ‬يجتاز حدود الممالك بين بغداد والأندلس بغير استئذان من سلطة،‮ ‬وذلك مسار القى على كل مذهب مسئولية الإمساك بوحدة التراث،‮ ‬وذلك هو معنى الوحدة الثقافية والتراثية التى لا تهم المسلمين وحدهم،‮ ‬بل كل من انطبع بثقافة البيئة وجغرافيا الثقافة التى التأم فيها عطاء الإنسان مسلماً‮ ‬وغير مسلم‮.. ‬فهم جميعاً‮ ‬ثمرة المشرق‮.. ‬حضارة ورسالة‮.‬

وهذه التقسيمات الطائفية المذهبية فى العالم العربى‮..

‬تبديد للذاكرة والروح وخيانة ثقافية وفكرية لمنطلقات بنائنا الثقافى والاجتماعى‮.‬

ودعاة التعصب الدينى الأعمى‮ ‬يفتحون الطريق أمام المرجعية الأمريكية والإسرائيلية التى تلعب الآن،‮ ‬الدور الرئىسى فى استغلال الدين لأغراض سياسية‮.‬

وكان الرئىس الأمريكى السابق جورج بوش الابن‮ ‬يزعم أن الله اختاره لأداء‮ »‬مهمة إلهية‮« ‬تنقذ البشرية مما تعانيه من شرور وفساد وإرهاب،‮ ‬كما كان‮ ‬يدعى ان الله اختار أمريكا لتنقذ العالم،‮ ‬كما اختار إسرائىل لتصير محور سياسة واشنطن الشرق أوسطية‮.‬

وأصبح مطلوباً‮ ‬من كل‮ ‬يهودى فى العالم أن‮ »‬يرتبط برباط قوى بأرض الميعاد‮« ‬حتى لو أدى الأمر إلى تقديم كل معونة لجهاز الموساد‮ »‬المخابرات الإسرائىلية‮«.‬

‮* * *‬

وفى عالمنا العربى من‮ ‬يسهمون فى محاولة تفتيت المجتمعات،‮ ‬بوعى أو دون وعى،‮ ‬مثل هؤلاء الذين‮ ‬يهاجمون مظاهر الاحتفالات بأعياد الميلاد فى العواصم العربية الإسلامية،‮ ‬معتبرين إياها‮ »‬حراماً‮ ‬وعيباً‮ ‬ولا تليق‮«»!!« ‬ودليلاً‮ ‬على‮ »‬غباء فى تقليد الآخرين‮« ‬و»تنازلاً‮ ‬عن الشخصية الإسلامية‮« »!«.‬

ويقول الكاتب اللبنانى‮ »‬ساطع نور الدين‮« ‬إن الرئىس السودانى اكتشف الفكرة العبقرية الوحيدة التى تقهر‮ »‬الغرب الصليبى‮« ‬وتجعله‮ ‬يندم على اللحظة التى خطط فيها لتقسيم السودان،‮ ‬الذى لن‮ ‬يصبح دولتين أو ثلاثا أو حتى أربعا‮.. ‬إلا نتيجة عبقريات مشابهة أنتجتها عقول عربية مريضة‮.‬

ويضيف الكاتب قائلاً‮ ‬إن الرئىس البشير وعد نصف السودانيين،‮ ‬الذين سيبقون تحت سلطته ورحمته،‮ ‬بأن الشريعة الإسلامية ستصبح المصدر الرئىسى للحكم فى الشطر الشمالى،‮ ‬وسيجرى التشدد فى اعتمادها وتطبيقها حتى تولد وتترسخ دولة الإسلام والمسلمين فى ذلك الجزء من العالم العربى‮.‬

ليس من المرجح ـ فى رأى الكاتب اللبنانى ـ ان‮ ‬يشعر الغرب بالاستفزاز أوالتحدى إزاء كلام البشير‮.. ‬إلا إذا كان‮ ‬يضمر استدعاء التنظيمات المتطرفة الى مؤازرنه وتجديد الدعوة الى تنظيم‮ »‬القاعدة‮« ‬بالتحديد للاقامة مرة أخرى فى الضيافة السودانية الشمالية،‮ ‬وعندها لن‮ ‬يبقى من ذلك الشمال السودانى ـ المتنوع والمنفتح والرحب أصلاً‮ ‬ـ سوى ما‮ ‬يقود الى دروب الجنة الخالدة المعبدة بالجثث والجرحى والدمار والخراب‮.‬

ويقول الكاتب ان المؤكد ان الغرب‮ ‬يشعر بالرضى لأنه حقق أحد أهدافه الكبرى عندما دفع الشمال السودانى الى التمسك بخيار مخالف للسياسة والمنطق ومناف للشريعة نفسها التى لا‮ ‬يمكن ان تجيز استخدامها على هذا النحو الانتهازى‮.‬

انه قدر السودان‮.. ‬ان‮ ‬يقع فى حفرة وأن‮ ‬يواصل الحفر حتى‮ ‬يصل الى قاع لم‮ ‬يبلغه حتى الآن أى بلد عربى أو إسلامى آخر‮.. ‬ابتلى بزعماء‮ ‬يدعون انهم‮ ‬يقاتلون الغزاة الأجانب،‮ ‬فإذا هم‮ ‬يتواطأون معه ويتآمرن على شعوبهم ويمزقون تاريخها‮.‬

والشبح المخيف الذى‮ ‬يهدد الآن بتدمير بقية الدول العربية هو الحكم السلطوى الذى‮ ‬يلغى الإرادة الشعبية،‮ ‬ولا‮ ‬يحترم التنوع والتعددية ويهمل الحرص على الوحدة الوطنية،‮ ‬ولا‮ ‬يبالى بالأهمية القصوى لتفعيل مبدأ المواطنة،‮ ‬ولا‮ ‬يسد الثغرات أمام الطامعين فى التدخل فى الشئون الداخلية وفرض وصايتهم على بلادنا،‮ ‬ولا‮ ‬يهتم بتحقيق مبدأ المساواة ـ فى كل شىء ـ بين كل المواطنين بصرف النظر عن عقائدهم وأديانهم وجنسيتهم ومركزهم الاجتماعى‮. ‬أما إذا اجتمع إلغاء الإرادة الشعبية مع عدم احترام حرية المعتقد‮.. ‬فإنها الكارثة‮.‬

وفى حالة اتخاذ خطوات عملية على طريق الديمقراطية والحريات الدينية‮.. ‬لن‮ ‬يجد أمثال الجنرال عاموس‮ ‬يادلين ما‮ ‬يفعلونه،‮ ‬وسوف‮ ‬يعانون من البطالة،‮ ‬على عكس الحال‮.. ‬لو ان هناك حكاماً‮ ‬عرباً‮ ‬انتهجوا سياسات من شأنها تسهيل مهمته حتى لو كان ذلك دون قصد أو وعى‮.. ‬ودفعوا بلادهم إلى حافة الهاوية‮.‬