جنون العظمة.. إلي أين يقود ليبيا؟

نبيل زكي

الجمعة, 18 مارس 2011 16:13
بقلم: نبيل زكي

 

ليبيا.. مفاجأة كبيرة لم يكن من السهل، تقدير للمواقف، توقع ما حدث علي أرضها، وكل النظريات عن الثورات.. لا تنطبق علي الحالة الليبية. فقد ظلت ليبيا -في التصنيفات السياسية- في نظر الكثيرين »مجتمعا قبليا متناثرا علي مساحة واسعة تشبه جلد النمر« علي حد تعبير المستشرق الفرنسي جاك بيرك في خمسينيات القرن الماضي.

غير أن الثورات العربية سواء المصرية أو التونسية أو الليبية أصبحت أمرا واقعا مما يحتم إعادة قراءة الواقع العربي وتحليله في ضوء معطيات جديدة.. وذلك أن ثمة هديرًا في العالم العربي أصبح يهز ويحطم كل المقولات والأفكار السائدة ويضع موضع التساؤل كل ما كان يبدو أنه ثوابت أبدية.

وفي ليبيا.. لا يوجد نظام.. هناك شخص »الأب الراعي والروحي« الذي يجسد السلطة والنظام والمجتمع والشعب الدولة والمواطنين والمواطنات والعلم والجهل والسياسة والبترول والمطارات والموانئ والطرق والجسور والسماء والأرض والماء والهواء وهذا ما يفسر صحية أحد أتباع القذافي في طرابلس قائلا: إنه أفضل رجل في العالم! ومن هنا فإن الجيش لن ينقذ النظام إذا أطاح بالقذافي أو أجبره علي الرحيل، بل سيجلعه ينهار ويختفي دون أن يبقي له أي أثر.

وإذا حدث ذلك، فإن ثورة شعب ليبيا ستكون أول ثورة عربية ظافرة بنسبة مائة في المائة، وستضرب المثل لغيرها في تحقيق أهداف المجتمع، لأنها لن تواجه -برحيل القذافي أو إزاحته- معضلة القضاء علي أبنية وهياكل نظامه التي يمكنها تحويل الثورة إلي مجرد تمرد علي شخص الرئيس.

برحيل القذافي.. سيرحل النظام كله. وانهيار القذافي يعني الانتصار علي أجهزة القمع التي تتولي السلطة، وإضعاف تصميم بعض الأنظمة العربية علي تحويل وقلب التمرد الشعبي إلي حرب أهلية.

وينتمي القذافي إلي مجموعة الطغاة الدجالين الذين يعتقدون أنهم باقون وشعوبهم.. إلي زوال وأن قتل مواطنيهم.. هو مسألة داخلية تخص الحاكم وحده!

لا يدرك الطغاة أن العالم قد تغير، وأن زمنًا ينتهي وآخر

يبدأ، وأن أنظمة الحكم التي أقاموها قوضت جميع فرص استمرارها بيديها، وأن بقاءها في الحكم سيكون باهظ التكاليف وسيمثل عبئا ثقيلا جدا علي من يقف إلي جانبها.

رياح التغيير تعصف بالعالم العربي وتجتاح اليوم المركز الأكبر للاستبداد.

ولن يجرؤ حاكم أو مسئول عربي -بعد الآن- علي الزعم بأن شعبه لم ينضج لممارسة الديمقراطية.

نحن بإزاء حاكم -القذافي- مصاب بجنون العظمة ويري أنه هو -بشخصه- يجسد مجد ليبيا، وأنه »قائد القيادة الشعبية الإسلامية العالمية في نصرة قضايا الإسلام والمسلمين في أرجاء المعمورة« وأنه »فارس الصحراء الكبري وصقر إفريقيا الأوحد وصانع الاتحاد الإفريقي العظيم« و»مؤسس الولايات المتحدة الإفريقية«، وأنه »ملك ملوك وسلاطين وأمراء وشيوخ وعمد إفريقيا«.

وخلال انعقاد القمة العربية في الدوحة في نهاية مارس عام 2009 قال: »أنا قائد أممي« أنا عميد حكام العرب، وملك ملوك إفريقيا، وإمام المسلمين، ومكانتي العالمية لا تسمح لي أن أتنازل لمستوي آخر«.

وقد خاب أمل القذافي في العروبة، ولم يعد يذكر ذلك اللقب الذي منحه لنفسه عقب توليه السلطة، وهو: »أمين القومية العربية« واتجه إلي شيوخ الطوارق وسلاطينهم في إبريل عام 2007 لكي يحمل لقب »قائد الطوارق«!

والطوارق شعب من الرحل الذين ينتمون إلي الأمازيج في الصحراء الكبري، وهم من أهل السنة المالكيين، ويتحدثون اللغة الأمازيجية بلهجتها الطارقية. وهكذا أصبح القذافي »قائدا لكل قبائل الصحراء وحامي حمي المستضعفين، وحامل لواء القارة السمراء!!

ولم تعد هناك ثورة بعد »ثورة الفاتح العظيم«- الانقلاب الذي قاده القذافي للاستيلاء علي الحكم قبل 42 سنة- ولم تعد هناك نظرية بعد »النظرية العالمية الثالثة«، ولم يعد هناك كتاب بعد »الكتاب الأخضر«

الذي وضعه الأخ العقيد ليشرح فيه نظريته!

إنه الرجل الذي ينصب خيمته في كل مدينة يحل فيها ويحرص علي ارتداء أجمل الأثواب الإفريقية في رحلاته، ويصحب معه حرسه الخاص من الفتيات!

وها هو الآن يشن حربا حقيقية بكل الأسلحة -الطيران والمدفعية الثقيلة والدبابات- علي شعبه.. يجرد الليبيين من صفاتهم البشرية، وينزلهم إلي مرتبة الحيوانات والحشرات والجراثيم لتبرير قتلهم وإبادتهم، ويستأجر المرتزقة بالأموال من دول إفريقية لكي يحتفظ بموقعه.

ولم يعد أسلوب المظاهرات السلمية الداعية إلي التغيير ممكنا في ليبيا الآن، في مواجهة حرب ضد الشعب بكل هذه الأسلحة، وإنما أصبحت المقاومة المسلحة هي السبيل الأوحد.

والسمة الأساسية المشتركة للثورات التونسية والمصرية والليبية هي وجود ديكتاتورية عائلية حيث الأسرة -الأب والزوجة والأبناء- تشكل الجهاز الحاكم الحقيقي الوحيد والدائم، الذي يقرر كل شيء ويستولي علي مقدرات البلاد، وتستغل نفوذها اللامحدود لتجميع الثروات بأرقام فلكية، وتنهب بشراهة منقطعة النظير موارد الدولة، وتهيمن علي الحياة العامة وتصادرها وتمارس نشاط المافيا وتفرض الإذلال علي المواطنين.

الآن، وافق مجلس الأمن علي فرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا قد يبدأ تنفيذها -ميدانيا- بشن ضربات جوية علي مواقع الدفاع الجوي والمطارات في ليبيا.. والتشويش علي شبكة الاتصالات الليبية.. ودعا قرار المجلس إلي وقف إطلاق النار فورا، وإنهاء العنف وكل الهجمات علي المدنيين الليبيين.

هذا هو ما جلبه نظام القذافي علي ليبيا والعالم العربي ولا نعرف حتي الآن الدور الذي ستلعبه خمس سفن حربية أمريكية ترابط علي مقربة من الساحل الليبي في البحر المتوسط، ولكننا نعرف أن بريطانيا وفرنسا مستعدتان للعمل.. حتي بدون اشتراك أمريكا.

وجاءت خطوة مجلس الأمن في وقت يستعد فيه القذافي لشن هجوم كاسح علي مدينة بنغازي، معقل الثورة والثوار الليبيين، مما يهدد بإبادة سكانها. وثمة سباق زمني الآن بين هجوم القذافي وتحرك الدول الأعضاء في مجلس الأمن للحيلولة دون وقوع مجزرة مروعة علي الأرض الليبية.

أما آخر كلمة وجهها القذافي إلي أهالي بنغازي، والتي توعد فيها بمهاجمة المدينة خلال الليل لإنهاء »المهزلة بلا رحمة« علي حد تعبيره، فإنه من الأهمية بمكان أن يقرأها كل مصري.

قال القذافي:

»هناك مسلحون جاءوا من مصر المهزومة وتونس المنكوبة لتدمير ليبيا«!! سقط القناع عن الوجه الحقيقي للقذافي المعادي لمصر والمصريين.

ولكن لا تحزن أيها القارئ.. فالرجل في أيامه الأخيرة، فقد السيطرة علي أعصابه بعد أن فقد السيطرة علي عقله منذ زمن بعيد!!