متى يتحرك الحزب الحاكم لإعادة التماسك الوطنى؟

نبيل زكي

السبت, 15 يناير 2011 07:19
بقلم: نبيل زكى

التأكيدات اليومية من جانب الحزب الحاكم على أن مذبحة الإسكندرية هى عمل إرهابى.. لا يقلل من خطورة الجريمة، لأن هذه التأكيدات على لسان المسئولين تعنى أن هناك خلايا إرهابية تمارس نشاطاً تخريبياً هداماً داخل مصر، وأن عناصر إجرامية محترفة فى الخارج استطاعت تجنيد عملاء لها داخل بلادنا، وأن هذه العناصر التى تمكنت من ارتكاب هذه المجزرة.. يمكن أن ترتكب جرائم أخرى فى أى وقت.

وربما لا يدرك هؤلاء المسئولون أن تكرار القول باستحالة منع وقوع جريمة إرهابية لا يشيع الاطمئنان فى قلوب المواطنين، بل يجعلهم يشعرون بأن الكرة فى ملعب الإرهابيين، وأنهم يستطيعون أن يرتكبوا أى جريمة فى أى وقت.

والمفترض أن إحباط العمليات الإرهابية.. ممكن، والدليل على ذلك أن أجهزة الأمن المصرية تمكنت من وقف النشاط الإرهابى فى مصر.. لسنوات.

والجانب الذى يتغاضى عنه المسئولون من أصحاب نظرية الإرهاب الوافد من الخارج، هو أن نجاح أجهزة الأمن يعتمد على تعاون كافة مواطنى هذا البلد مع رجال الأمن فى الكشف عن أوكار الإرهابيين والإبلاغ عن أى تحركات مشبوهة.

ولكى يكون هذا التعاون نموذجياً وفعالاً.. يجب أن يشعر المواطنون بأن لهم حقوقاً فى بلادهم وبأنهم ليسوا ضحايا للقهر والظلم والفقر والامتهان.

يجب أن يشعر المواطنون بالانتماء إِلى هذا التراب الوطنى، وأنه لا توجد قلة من أصحاب المليارات تعيش حياة الترف بينما الأغلبية تسحقها متطلبات المعيشة اليومية.

يجب أن يشعر المواطنون جميعاً بأنهم على قدم المساواة، وبأنه لا تفرقة بين مواطن وآخر لأى سبب.

فالإرهاب يحتاج ـ لكى يمارس جرائمه ـ إلى ظروف مواتية ومناخ ملائم فى الداخل.. يمكن استغلاله سواء فى عمليات التجنيد لأدواته أو لتسهيل جرائم القتل الجماعى وإراقة الدماء.. مستفيداً من لا مبالاة وعدم اكتراث المواطنين بالنسبة لقضايا الأمن وسلامة الوطن.

إذن.. لا يصح الحديث عن الإرهاب باعتباره المسئول عن جريمة الإسكندرية كما لو  كان هذا الحديث يخفف من وقع الكارثة على المصريين.

* * *

ويتغاضى المسئولون فى الحزب الحاكم أيضاً عن حقائق معروفة، مثل ازدياد خطورة الإرهاب فى وقت يهتز فيه التماسك الوطنى بسبب الاحتقان الطائفى

وغياب الدولة، إلى جانب تفاقم الفقر والفساد وارتفاع تكاليف المعيشة وزيادة الفوارق بين الطبقات وتفشى الحرمان والبطالة وتدهور الخدمات.

مناخ السخط والضيق أوالتذمر العام يشكل تربة خصبة لأي عمل إرهابى.

صحيح إننا نستطيع أن نراهن على وطنية كل المصريين وشعورهم بالمسئولية، ولكننا لا يمكن أن نغفل وجود نفوس ضعيفة تجردت من القيم والضمائر، ويمكن التقليل من خطورة هؤلاء.. إذا كانت الأجواء العامة صحية والكتلة الرئىسية لأبناء الوطن.. سليمة.

* * *

وبطبيعة الحال، فإن الاحتمال الآخر لا يقل خطورة، وهو أن جريمة الإسكندرية من تدبير وتنفيذ عناصر محلية، كما يبدو حتى الآن من مذبحة نجع حمادى فى العام الماضى.

فإذا كان مجتمعنا يفرخ مثل هذه العناصر الدموية المعادية للوطن وللبشر وتمارس القتل على الهوية، أى لمجرد انتماء الضحايا إلى دين معين وتروع الأمة كلها وتتعمد تخريب الوحدة الوطنية وضرب التلاحم الوطنى وتمزيق الأمة.. فإن معنى ذلك أن العدو فى الداخل لا يقل خطورة عن العدو فى الخارج، بل أكثر خطورة لأنه فى أحشائنا.

وفى الحالتين.. سواء كانت الجريمة من تدبير خارجى وتنفيذ محلى أم تدبير محلى وتنفيذ محلى.. فإن سلامة الوطن والأمن القومى فى خطر.

وكما قال اللواء محمود خلف، مستشار المركز القومى لدراسات الشرق الأوسط، فإن مصر تقف فى مفترق الطرق.. والمطلوب هو غلق الثغرات التى ينفذ منها الإرهاب الخارجى والداخلى.

وقد وضع اللواء خلف يده على جذر المشكلة، عندما أوضح أن مشكلة الأقباط فى مصر منذ نشأتها فى عهد الرئىس الراحل جمال عبدالناصر وحتى هذه اللحظة، لم يتم الاقتراب منها بأى حال من الأحوال بصورة جدية وفاعلة وموضوعية، وأنه آن الأوان لكى نتوقف عن التناول السطحى لهذه المشكلة.. عن طريق التركيز على ما هو المطلوب وكيفية حماية أنفسنا.

* * *

والمؤسف أن مسئولى الحزب الحاكم

مازالوا يعيشون فى كوكب آخر، إنهم فى حالة تعبئة للأجهزة الدعائىة والإعلامية حول القضايا التالية:

* مصر بخير، وكل شىء على ما يرام، ولا توجد عندنا فتنة طائفية.

* المسملون والمسيحيون على أحسن ما يكون.. ومتحابون.

* الوقت الحالى ليس مناسباً والتوقيت غير ملائم للحديث عن حقوق للأقباط.

* بابا الفاتيكان يتدخل فى شئوننا الداخلية.

* هناك أقباط يستقوون بالخارج.

مازال هؤلاء المسئولون أشبه بالنعامة التى تدفن رأسها فى الرمال.

وهؤلاء المسئولون يعرفون، قبل غيرهم، أن العلاقات بين المسلمين والمسيحيين ليست على مايرام، وان التعصب الدينى يسيطر على قطاعات كبيرة الآن من المسلمين والمسيحيين بسبب أخطاء الحزب الحاكم نفسه.

ويعرفون أن الكنيسة المصرية.. وطنية وترفض أى تدخل خارجى، وأن الأغلبية الساحقة من المسيحيين المصريين لا تحركهم أقوال غير مسئولة تصدر من الخارج.

ويعرف هؤلاء المسئولون ان تصريحات بابا الفاتيكان لا تهم أحداً فى مصر، وأنه كان يتحدث بوجه عام قاصداً ـ فى المقام الأول ما حدث للمسيحيين فى العراق، وجاءت جريمة الإسكندرية لكى يضيف مصر إلى قائمة الدول التى يطالب بحماية المسيحيين فيها.

والمسلمون المصريون كانوا أول من طالب بتوفير الحماية للشعائر الدينية المسيحية لأمن وسلامة المسيحيين، والمسيحيون المصريون لا يريدون أية حماية خارجية.

ولكن مسئولى حزبنا الحاكم يريدون افتعال معارك تبعد الأنظار عن القضايا الجوهرية.

ويبدو أنهم وجدوا فى حكاية التدخل الخارجى وسيلة لتحقيق هذا الغرض، لأنهم يعرفون أن جميع المصريين يرفضون التدخل الخارجى.

* * *

ويا.. أيها السادة.. نحن جميعاً ضد التدخل الخارجى، ولكن.. لماذا لا نسد الثغرات، حتى لا نعطى لهؤلاء المتطفلين الفرصة للتدخل فى شئوننا؟ لماذا لا تتحرك جميع الحكومات منذ عام 1970 حتى الآن.. لسد هذه الثغرات؟

الطريق واضح.. والحلول معروفة.

وإعادة التماسك الوطنى ليس مهمة صعبة، القوانين قادرة على تسهيل وضمان تحقيق هذه المهمة.

وإذا كان الحزب الحاكم قد وضع مبدأ المواطنة فى الدستور ـ المادة الأولى ـ فلماذا لا يحاول تفعيل هذا المبدأ.. الآن قبل الغد.

ثم شعاع أمل وحيد الآن هو تصريح رئىس مجلس الوزراء الدكتور أحمد نظيف الذى أعلن فيه عن تشكيل مجموعة عمل وزارية للنظر فى القوانين لتحقيق المواطنة بجميع محاورها، حيث ان مفهوم المواطنة يرتبط بمفهوم عدم التمييز.

وقال نظيف: »علينا أن نأخذ من هذه الحادثة فرصة لننطلق بهذه المواطنة.. نترجمها من الدستور الى ما نراه لتنظم فى تشريعاتنا كلها.. وهذا يحدث الآن لكى نرسخ فكرة المواطنة..

المهم أن يتحقق ما يقوله نظيف وبجدية ـ ودون التفاف على الموضوع أو تمييع له أو مراوغة ـ وأن يكون ذلك بأسرع وقت ممكن وبطريقة حاسمة.. رغم تحفظنا على ما يكتنف تصريحات رئىس الوزارة من غموض وعمومية.