رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

فى رثاء أنيس منصور.. نكبة الاقتراب من السلطان!

نادر ناشد

الثلاثاء, 25 أكتوبر 2011 09:08
بقلم : نادر ناشد

أعتقد أن اقتراب أنيس منصور من الرئيس الراحل أنور السادات كان أكبر طعنة فى موهبته وخبرته وفلسفته، أنيس كان على طريق العمالقة في عالم الفكر، فى نهاية عصر عبدالناصر كان قد كوَّن نمطًا فلسفيًا في كتاباته على طريق ديكارت بعد سنوات من دراسته لسارتر

. وكانت أهم المفردات التي رسخت في مفردات أنيس منصور بعد حصاده تجارب هذه الفلسفات هي ارتباطه بحرية الرأى وحرية التعبير عن المصلحة والأيديولوجيا وممارسة الحق المرتبطة بها، استعارات الفلسفة الاجتماعية مفهوم المجتمع المدني غير المتساوي، يجعل مفهوم المجتمع المدني إلى حرية تنظيم الاختلاف في أوجهه المتنوعة، فلم يعد مفهوم الدولة قادرًا علي ضمان حرية المجتمع، بل علي العكس، فقد دللت التجربة التاريخية عند أنيس منصور خلال سنوات بسيطة من حكم أنور السادات أن الدولة تريد أن تكون أداة كبح، وأن سنوات الهوان قد زالت.. هذه الرؤية رسمت له شكلاً طوباويًا سرعان ما تزاوج في مخيلته مع أكثر من نموذج فلسفي كان يقرؤه ويتمناه وإن كان لا يعتقد حدوثه في القريب، لأن الفلسفة الديمقراطية عنده كانت مغارة وليست تأكيداً أو هي فلسفة الممكن، في الوقت الذي كان يمثل فيه حكم الزعيم عبدالناصر الحقبة الديكتاتورية.. وبرغم أنه أتيح له أن يرصد الفرق بين الحكمين وأتاحت له سنوات عمره التي امتدت إلي السابعة والثمانين أن يقارن بين عهدين.. إلا أنه انحاز إلي السادات وكانت تزداد في مخيلته يوماً بعد يوم فكرة المزاوجة بين السوق والخطة في إطار رأسمالية عادلة.. هكذا تخيل أنها في مواجهة الاشتراكية التي

كانت سمة حكم الناصرية، إلا أن سطوة الجماعة الإسلامية في عهد السادات لم يرفضها بل دعمها بما يريد أن يصل إليه. وبسرعة وجدنا أنيس منصور آخر ليس هو الذي كان يرفض الهيمنة الإسرائيلية علي دولة فلسطين، وكتب من أجل ذلك أكثر من كتاب وبحماس شديد كان يحلل الشخصية اليهودية، بصورة جعلته قريبا من فكر رفيق شبابه السابق محمود أمين العالم أو أنيس عبدالعظيم. ينبغي إذن أن نقرأ نص مفهوم العقل عند أنيس باعتباره محاولة نقدية لأشكال معينة من النزعات التراثية النصية الدوغمائية، نزعات الارتداد التي لا تدرك أن الهروب إلي الماضي يشكل اليوم آلية سيكولوجية تعويضية «حنيناً رومانسيًا» بلغة الكاتب أكثر مما يشكل وضعًا تاريخيًا ممكنًا ومعقولاً. وهذا النوع من الكتابات، يستعيد بعض أطروحات العرب والفكر التاريخي، حيث نحي أنيس منصور ذلك جانباً وبدأ مشروعه الجديد بعد الحقبة الساداتية بانقطاع مصر عن أشقائها العرب.. حتي إنه كان ينبذ المبدعين العرب - نزار قباني - نموذجاً، ظل يحاربه حتي رحيل السادات - ولابد أنه آمن بهذا المنطق حتي أنه سافر متحمساً إلي إسرائيل مع الرئيس السادات، معلناً غلق أكثر من ملف كان شديد الحماس له أيضاً. والمدهش أنه كان أكثر المدافعين عن السادات حيًا وميتًا حتي في أقسى المنحدرات التي وقع فيها السادات كان مؤكداً قدرته
علي أنها انتصارات وليست حتي كبوة - أو سقطة - أو نكسة - بلغة العسكريين لقد انطلق أنيس منصور من اعتبار أن السادات يشخص بصورة نموذجية وضع الاختيار السبعينى للسياسة في الساحة العالمية، حيث آمن معه بأن 99٪ من أوراق اللعبة في يد أمريكا. ومن هنا فإن هذا المصطلح يقدم في نظر الكاتب نموذجًا للداعية الحضاري من وجهة نظره باحثاً عن الخلاص في نهايات القرن العشرين بعد أن وصلت الحلول جميعها إلي طرق مسدودة لكنه في كل الأحوال كان يهجر طريقاً حاول السادات الهروب منه وهو طريق العروبة، فقد انتفي هذا الطريق إرضاء لأمريكا.. معتبراً أن المنزع اللاتوفيقي يكفل أكثر من غيره تحولاً في التاريخ ويحفظ للذات ذاتها.
ومن هنا فإن حساب أنيس منصور قد نجح بالفعل مع رفاقه في تكوين رأى عام ظل لسنوات طويلة متسيدًا.. لولا أن استجدت أمور مصيرية فضحت الكثير من هذه المزاعم وأفسدت جذورها التي لم تكن ثابتة أبداً على مدى التاريخ.
أنيس منصور بعيداً عن المنظومة الساداتية مفكر كبير وفيلسوف كنا نعده إلي جوار الدكتورين عبدالرحمن بدوي وزكي نجيب محمود، ثالث المفكرين الذين عليهم يمكن أن نستنبط رؤية فلسفية عربية ثاقبة. وكان لارتباطه بعالم الأدب وكتابة القصة والمسرحية - خط لم يطرح من خلاله الحداثة في سياق ثنائية مغلوطة الحداثة والأصالة. بل عرف سريعاً بتفاعل الحضارات الغربية والشرقية داخل تراثنا وعرف أيضاً كيف يطوعه فقد استفاق مع الغرب من نوم قرونه الوسطي في صورة طبيعية دون تدخل أو استفزاز خارجي واستيقظ بعد أن شبع من نوع الشرق علي تراكم نتائج آلت إليها عملية التطور الكمي والتراكم التاريخي وأحال كل ذلك إلي حالة نوعية اسمها الثورة العقلانية.
ولو استقتل منصور في التشبث بهذه الثورة لكشف لشبابنا عن التحليل الأيديولوجي لما حدث لفكرنا في مصر والفجوات التي سقطت به وصعدت به واستقرت بنا حالياً إلي صحراء جرداء من المتاهة تقودها الغيبيات إلي مزيد من الهلاك..!!