مصر بين السيناريو الوطني الوحيد والسيناريوهات الغربية المتعددة

ناجي عباس

السبت, 05 فبراير 2011 12:40
بقلم: ناجي عباس

هل تترك الولايات المتحده والغرب الأوروبي ما يحدث في مصر يقع، والاكتفاء بالمشاهدة والمراقبة عن بعد – مع ما يعنيه ذلك على مصالحهم الاستراتيجية في المنطقة؟  وإذا ما توهمنا جدلاً أن الغرب والولايات المتحدة الأمريكية بهذه السذاجة – هل ستسمح إسرائيل بعودة الاستقرار إلى مصر  بغض النظر عمن ستؤول إليه مقاليد الأمور في مصر؟

وماذا عن بقية اللاعبين الرئيسيين في المنطقة – بغض النظر عن تسمياتهم، هل يراقبون ما يحدث دون حركة تتوخى الاستفادة من كل ما يجري، حرصاً على مصالح آنية  أو وضع الأساس لتحقيق مصالح لاحقة ؟ وإلى أي حد  بات الملعب المصري مفتوحاً للاعبين مجهولين سواء مصريون أو غيرهم؟ وما هي حدود سيطرة الجيش المصري  بالفعل الآن ومعه بقية الأجهزة الفاعلة – أو ما تبقى منها – على جميع تفاصيل المشهد المصري الحالي.

سيكون من دواعي الوهم المطلق في كل الأحوال الانطلاق من فرضية  مفادها أن الغرب وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية تراقب بخمول ما يحدث في مصر، دون محاولة التأثير على نحو ما في كل ما يحدث، كما سيكون من دواعي الوهم أيضاً تصور أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تستفد من تجربتها السابقة مع إيران، ووصول سلطة معادية فجأة الى الحكم في مصر – دون توافر سيناريوهات و بدائل ما  حال تعرض مصالحها الاستراتيجية ومصالح حلفائها للخطر.

الولايات المتحدة الأمريكية والغرب الأوروبي يعنيهما الاستقرار في مصر فقط حال توافق هذا الاستقرار مع مصالحه الاستراتيجية الآن ومستقبلاً  أيضاً، مع ما يعنيه ذلك من ضمان لاستمرار النظم

الحليفة العاملة على تدفق النفط من خطوطه باتجاه الغرب مع استمرار  حركة الملاحة الحرة  في قناة السويس  بشكلها وشروطها الحاليين، وكذلك  ضمان عدم حدوث تقارب بين نظام مصري محتمل – أياً كانت مرجعيته –  مدنية او عسكرية -  مع اطراف معادية بطبيعتها للولايات المتحدة الامريكية في النطقة والجوار، وذلك لضمان عدم إخلال أي نظام مصري مقبل بالاتفاقيات السياسية والعسكرية الموقعة وعلى رأسها اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، وهذا وحده ما يعني الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، مع النظر بالطبع لتأثير ما سوف يحدث في مصر على كل دول المنطقة في المدى المنظور.

الولايات المتحدة الامريكية ودول الغرب الأوروبي أعلنوا ذلك منذ اللحظات الأولى لثورة التغيير صراحة، وحددوا بعض أدواتهم – وليس كلها -  لضمان ذلك، ومن بينها مثلاً اللجوء لمجلس الأمن، وتفعيل مواده كلها، وبالتالي الدخول في صدام محتمل مع  المجتمع الدولي برمته,

ما لم تعلنه الولايات المتحدة حتى الآن وهذا هو المهم، هو إلى أي حد تمتلك واشنطن بدائل محلية جاهرة، يمكنها على أقل تقدير فرض النموذج العسكري مضموناً – المدني شكلاً – أي النموذج المتعارف على تسميته بالنموذج التركي، وهو ما سيعني عملياً سرقة الثورة من أصحابها الشرعيين ودخول الجيش كلاعب رئيسي يحدد ما يجب وما لا يجب في السنوات المقبلة، أي تحديد السقف الأعلى للتغيير

الذي بدأ.

ليس سراً أن الولايات المتحدة الامريكية كانت وما تزال تعول كثيراً في كل الدول الشبيهة بمصر على أصدقائها في جيوش تلك الدول، وليس سراً أن المصالح الأمريكية – الغربية  في منطقتنا معنية بشكل كبير بالمصالح الإسرائيلية، وليس سرأً أيضاً أن سيناريو الفوضى الخلاقة المطروح أمريكياً منذ أكثر من ثماني سنوات يعني في جوهره  " إما استقرار داخلي يراعي ويحافظ على المصالح الامريكية الغربية – وإما عدم استقرار لتأخير أو إحباط عمليات تقارب بين أنظمة محتملة  ناشئة في المنطقة تتلاقى مصالحها في المدى المنظور مع رؤى الدول المعادية بطبعها للولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة.

الدول الفاعلة والمؤثرة وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية ليست بالطبع  هي اللاعب الوحيد في كل ما يحدث في مصر – وهناك العديد من القوى الاخرى، المحلية والدولية - يسعى كل منها الآن لانتهاز أكبر قدر من الفرص المتاحة  لحصد أوسع  ما يمكن من المساحات السياسية التي تؤهله لاحقاً للعب دور أكثر تأثيراً في مصر والمنطقة.

مصر حتى الآن مخيرة – داخلياً على الأقل – في رسم سيناريو خاص بها يراعي كل المتغيرات التي فرضتها قوى عديدة على الاقل خلال الأسبوعين الماضيين، لكن الوقت الآن ليس في صالح مصر على الإطلاق، فالشارع المصري بات متعجلاً الخروج من حالة الانفلات والفوضى الحالية بأي ثمن، والجيش حتى الآن لم يقل كلمته النهائية، هذا علاوة على أن  أعداء ثورة الشباب – والتي تضم كل المتضررين من بقايا السلطة السابقة  ورجال الأعمال المنتفعين من استمرار الحال على ما كان عليه والقوى السياسية  غير المرئية والطموحة لدور ما - ما زال لديها بقية من روح لتعبث بأن هذا الوطن، ولذا فإما اتفاق عاجل بين كل القوى السياسية الحريصة عن استقلال هذا الوطن، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه لتقليل نزيف الخسائر اليومي، واما مواجهة  أحد تلك السيناريوهات الجاهزة،  هنا وهناك، وهي بمجموعها تضع المصالح المصرية والاستقلال الوطنى في ذيل قائمة طويلة من المصالح الدولية.