رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الحلمية الجديدة فى نصف قرن..

م.حسين منصور

الأحد, 10 أغسطس 2014 22:42
بقلم: م.حسين منصور

أقيم بالحلمية الجديدة منذ خمسين عاماً قد أتممتها هذا العام.. لم أغادرها سوى لسفريات عمل أو إجازة لأيام معدودات... والحلمية الجديدة تقع فى مربع يتوسط مناطق باب الخلق وعابدين والسيدة زينب والقلعة ومنها تستطيع أن تبلغ أى مكان بالقاهرة بسهولة بالغة سيراً أو مستخدماً المواصلات.. فيمكنك أن تصل الى وسط البلد فى ربع ساعة وأن تذهب إلى سيدنا الحسين فى مثلها.

< وقد ظلت الحلمية مربعاً سكنياً للطبقة المتوسطة من الموظفين وبعض أرباب المهن الحرة وعاش بها بعض كبار رجالات الدولة والأغنياء فأقاموا بها قصوراً لم يبق منها سوى النذر اليسير.. وفيها أقام رفاعة الطهطاوى ولم يزل قصره قائماً وأيضاً عاش بها توفيق نسيم رئيس وزراء مصر الذى أعاد دستور 23 بعد أن ألغاه صدقى وقد تحول قصره الى مدرسة ابتدائى تم هدمها بعد زلزال 92 وترك الرجل مستوصفاً خيرياً بجوار مدفنه بالخليفة لم يزل يحمل اسمه... وبالحلمية ما يزيد عن أربع عشرة مدرسة من مختلف المراحل وكنا بمدرسة المحمدية فخراً بزيارة سعد زغلول لها وقد تهدم بناؤها القديم وأعيد بناؤها ثانية وكنا نقرأ مجلات تان تان وسوبرمان ولولو وطابوش وغيرها من المطبوعات اللبنانية من بائع مجلات كان ينشرها على  حبال على سور قصر قديم أمام مدرسة المحمدية وكان مواجهاً لقصر الفراء الشهير وكنا نقرأ المجلة على دكة وضعها أمامه بمقابل نصف قرش وقد اختفى هذا الرجل عندما باعوا القصر ليحل محله برج سكنى شديد القبح وقد تكرر هذا مع قصر الغراء..
< ما إن شببت عن الطوق فى مطلع السبعينيات فرأيت الجرائد تصلنا يومياً بواسطة بائعة الجرائد أم فاروق التى كانت تمر على زبائنها  ولم يكن هذا تعبيراً برجوازياً ولكنها كات العادة المتداولة فى منطقة الحلمية فى ذلك الحين... وقد كانت أم فاروق طاعنة فى السن كليلة البصر شديدة النحافة تعجب لإصرارها على مواصلة مهنتها بهمة عالية... وكانت هناك أيضاً

فى الحلمية بائعة جرائد شهيرة الحاجة سعدية التى كانت تمتلك صوتاً نحاسياً هادراً يخترق عنان السماء وقد استمرت حتى نهاية الثمانينيات وإن ذبلت القدرات الزاعقة لصوتها وبقيت نحاسيته ورنته فى الأذن..
ولم تكن الجرائد فقط هى التى تصل الى المنازل.. كانت أيضاً سلطانيات الزبادى الفخارية تحمل على صينية كبيرةو يمر بها ممدوح أشهر بائع زبادى وباختفائه وظهور العبوات البلاستيك اختفت تلك السلطانيات الفخارية الرائعة..
< بوفاة أم فاروق بائعة الجرائد سريعاً أصبح من مهامى اليومية شراء الجرنان صباحاً قبل الذهاب للمدرسة مع شرائى للعيش الفينو المكرونة والفول المدمس.
وكنت اذهب يومياً لبائعة الجرائد المستقرة بنهاية شارع سنجر الخازن أمام بوابة الطلبة لمدرسة الخديوية الشاهقة.. فأشترى الأهرام ويوم الجمعة كنت أشترى أيضاً التعاون الرياضى أما جريدة المساء فقد كنت أشتريها فى مناسبة الانتصارات الكبيرة للزمالك أو المناسبات الرياضية الهامة كفوز كلاى على فورمان فى مباراتهما الشهيرة بزائير.
< عندما انضم د. حلمى مراد الى حزب العمل فى أعقاب تجميد الوفد قال لى عم سعيد بائع الجرائد بجوار مدرسة الحلمية الإعدادية بنات خليهم يتحدوا.. ربنا يقويهم وذلك فى نهاية عصر السادات..  كان باعة الجرائد بالحلمية كثرا يصلون لعشرة بائعين كل فى مكانه وكلما اختفى أحدهم لم يحل أحد مكانه.. وكنت أشترى جريدة الحياة اللندنية مع مطلع التسعينيات من الحاج سيد الكائن بجوار محل البيبانى الكبابجى الشهير وأصيب بمرض القدم السكرى وأطاح به ففقدنا بائعاً عاشقاً لمهنة الجرايد ولم يحل أحد مكانه... تقلص عدد باعة الجرائد بالحلمية من عشرة ويزيد الى ثلاثة على أطراف الحلمية وجاء هذا التقلص تدريجياً مع الزحف التدريجى للقادمين من الخلف أصحاب الثروات
من بيع أراضى البساتين التى تحولت الى المعادى الجديدة أو عرب المعادى وأصحاب ثروات أخرى وفدوا الى الحلمية للإحلال والتبديل وخرج القادرون من أبناء الحلمية الى المقطم أما غير القادرين فهاجروا الى عشوائيات القاهرة بأبو الغيط والقناطر وبولاق الدكرور وكوبرى الخشب.
< كنا نلعب الكرة بمركز شباب عابدين الذى انتقل الى الحلمية من مكانه بقصر عابدين ليلحق بملعب الكرة الخاص بمدرس الخديوية وكان ملعباً كبيراً به مدرجات خشبية بديعة... وكان القائمون على المركز من مدربين وإداريين يهتمون بأبناء المركز حريصين على تنمية مواهبهم وتحفيزهم وأذكر فى زيارة نيكسون للقاهرة فى يونيو 74 تم نقل أعضاء المركز فى أتوبيس الى كوبرى الجامعة حاملين  كرتونة مدعمة بحامل خشبى على نصفها صورة للسادات والنصف الثانى صورة لنيكسون مع التنبيه علينا بالهتاف ويلكم ويلكم يانيكسون عند مرور الموكب فقمنا بالمطلوب وعدنا أدراجنا أما نيكسون فقد غادر موقعه الرئاسى بعدها بشهرين... وعلى هذا الملعب أقامت المعارضة المصرية مؤتمرها الشهير فى 6 فبراير 1987 الذى أعقبه حل مبارك لمجلس الشعب... وفى منتصف التسعينيات اختفت المدرجات الخشبية وأقيمت قاعة للأفراح وتقلص الملعب لحساب كافيهات  وأصبح المركز نشاطه ليلياً مع الأفراح والليالى الملاح وما يصاحبها من ضجيج ولغط وازعاج يحمله المعازيم وأصحاب الفرح.
< كان بالحلمية وما حولها العديد من دور السينما ما يزيد على ست دور عرض وكنا نخرج أنا وأحد أصدقائى كل يوم اثنين من المدرسة الاعدادى متلهفين لمعرفة البروجرام الجديد للسينما وكان يتغير أسبوعياً..شاهدنا لص بغداد فى سينما الشرق والرأس الكبيرة فى سينما الحلمية وشاهدنا احنا بتوع الأتوبيس والسقامات فى سينما وهبى.. وشاهدنا بالطبع أبى فوق الشجرة... اختفت سينما ايزيس والأهلى والهلال فى ظروف غامضة وبالمخالفة للقانون وشيدت مكانها أبراج مقيتة فى مواجهة التنوير والتسامح ومشاهدة الدنيا... وأصبحت سينما وهبى وسينما الحلمية دوراً مغلقة يبحث أصحابها عن وسائل لهدمها واللحاق بأخواتها التى اختفت.
< يصارع أبناء الحلمية القدامى متمسكين بالبقاء فيها كصيحة أخيرة فى مواجهة التهميش والتجريف والتهجير لخارجها... فقد ظلت الحلمية وعاء للانتماء للبرجوازية المتوسطة الصغيرة... وستبقى دائماً معبراً بين القاهرة القديمة بدروبها وحواريها الشعبية وأثارها ومساجدها المملوكية فى القلعة وسوق السلاح والدرب الأحمر من ناحية والقاهرة الحديثة فى باب اللوق والأوبرا ووسط البلد من ناحية أخرى وسوف تظل الحلمية الجديدة مرآة لتطور العصر بمظاهره الثقافية والاجتماعية وممراً لأجيال مضت وأجيال سوف تأتى وتحمل مصر الجديدة الصاعدة المتنورة المتسامحة.

 

g