رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

إنك لا تنزل نفس النـهر مرتين

م.حسين منصور

الأحد, 23 فبراير 2014 23:26
بقلم: م.حسين منصور



شاهدت منذ أيام فيلم «في بيتنا رجل» ويعتبر من الأفلام المروجة لنظام 23 يوليو ويقولون عنه انه من كلاسيكيات السينما المصرية.. والفيلم بالفعل له أثر في الذاكرة المصرية لحبكته

الفنية والأداء الجيد لكل المشاركين فيه.. فضلاً عن انه يجمع نخبة لامعة مثل الفنانين المحبوبين مثل عمر الشريف- رشدي أباظة- حسين رياض- زبيدة ثروت...إلخ وكان أداؤهم الفني في غاية الحضور والتأثير.. كل ما سبق هو صحيح، ولكن المثير للدهشة ان هذا الفيلم هو دعوة صريحة للإرهاب والترويع، فهو يروج لفكرة القتل مقابل الخيانة، ففي رواية الفيلم نجد البطل يقتل رئيس الوزراء الخائن ويختبئ في منزل زميل له في الكلية.. والأجواء الدرامية كلها تؤدي إلي التعاطف مع هذا القاتل الذي جعله الفيلم بطلاً وطنياً يصفي أوكار الخيانة.. وحتي عندما سأل حسين رياض رب أسرة المنزل الذي اختبأ فيه البطل عن دوافع القتل يرد القاتل ببساطة الشعب المصري اعتبر رئيس الوزراء خائناً وأنا نفذت حكم الشعب.. بالطبع الواقعة المقصودة في الفيلم واقعة مقتل النقراشي والفيلم انتاج 1961.. مما يعني أن مشاهديه كانوا لم يزالوا علي تماس مع تلك الواقعة ولم يكن النقراشي بالتأكيد خائناً، وهو الذي «صاح اخرجوا أيها القراصنة من بلادنا» وذلك علي منبر الأمم المتحدة في مواجهة انجلترا.. والقاتل كان عبدالمجيد حسن الإخواني الذي حلف يمين الطاعة علي المصحف والمسدس أمام صالح العشماوي الذي كان ملثماً، وخرج «البنا» بعد ذلك ليقول «ليسوا إخواناً وليسوا مسلمين».
< لم يقدم القاتل البطل في الفيلم أي دلائل علي خيانة رئيس الوزراء المغدور.. وبالتالي لم يطلع المشاهدون علي مسوغات القتل، وإنما تم دس السم في العسل وتم خلق التعاطف مع القاتل الذي أقدم علي قتل الخائن.. وهكذا أصبحت الخيانة تهمة سهلة لا تحتاج لقرائن وأدلة سوي تهدج صوت البطل وبريق عينيه.. هذا فيلم ببساطة يروج للقتل السهل القائم علي الشك والارتياب، ويفتح الطريق للتخلص من كل المخالفين لرأيك باعتبار تلك المخالفة خيانة لجموع الشعب.. والحقيقة أن هذا ليس بمستغرب علي نظام 23 يوليو الذي روج

عبر السينما لفكرة العادل المستبد والمنقذ الأوحد.. كما ظهر «علي طه» في فيلم «القاهرة 30».. حيث كان «علي طه» هو الذي يكتب المنشورات وهو الذي يطبعها ويوزعها وهو الذي يواجه الانجليز وهو.. وهو.
< ومن المدهش حقاً أن يوجه نظام 23 يوليو كل دعايته الهجومية تجاه الأحزاب القديمة والحزبية والفساد الناجم عنها بينما لم يتناول الفاشية الدينية بكلمة من قريب أو بعيد.. بل هو فعلياً يروج لروح التسلط والرأي الواحد ويحبذ أعمال الإرهاب والترويع في دعاياته وهو في هذا يعبر عما يعتنق ويؤمن.. ولقد استطاع الكاتب الصحفي اللامع المرحوم محمد التابعي أن يعبر عن هذا الخلط في مقالة رائعة في سبتمبر 54 تحت عنوان «خيار وفقوس في موازين الثورة»، يكتب الأستاذ «التابعي» بأسلوبه السهل الواضح الفاضح ويمر بمراحل علاقة الضباط الأحرار والإخوان فيقول «لولا المقام الجد لاخترت عنواناً لهذا المقال الأغنية المشهورة صحيح خصامك ولا هزار.. والسؤال موجه إلي رجال الثورة.. صحيح خصامكم مع الإخوان أم مثل كل مرة سابقة.. مجاملة ومودة للخيار وحزم وشدة للفقوس.. والخيار جماعة الإخوان والفقوس بقية الأحزاب والهيئات الأخري.. ثم يستكمل: آية ذلك القانون الصادر بإلغاء الأحزاب لم يمسهم بسوء ولم تتناولهم أحكامه بحجة انها جماعة تزاول نشاطاً دينياً وثقافياً.. كأنما كان اغتيال النقراشي عملاً دينياً.. واغتيال الخازندار عملاً ثقافياً.. واستطرد «التابعي» إلي أن وصل إلي الخاتمة فقال ان الصحافة المصرية لم تعد تؤمن بجدية خصامكم مع «الهضيبي» وجماعته.. فكم من مرة تخاصمتم ثم تصالحتم.. وكم من مرة أغمضتم العين علي ما لا ينبغي أن تغمض عين عليه».. المقال يكاد يكون بحثاً في علاقة الإخوان والضباط الأحرار وهو وثيقة دامغة.
< وقد اتصل «السادات» بحسن البنا مبكراً منذ عام 1940 وتبادلا المعلومات وامكانية العمل
المشترك، وقد سجل «السادات» هذا في كتابه «صفحات مجهولة» والذي نشر علي حلقات في جريدة الجمهورية في ديسمبر 1953.. وقد كان في مقدمة الناقمين علي حادثة فبراير 42 المجموعة الأولية للضباط الأحرار وكذا الإخوان، وكلاهما كان علي اتصالات قوية بعزيز المصري وقد أبديا ذلك في أعقاب إقالة حكومة الوفد في 1944  وذلك في إطار كراهيتهما للحزبية للوصول إلي ديكتاتورية عادلة.
< وكذا كان «عبدالناصر» علي اتصال بجماعة الإخوان مبكراً وكان علي صداقة حميمة مع حسن العشماوي حتي انه خبأ عنده شحنة الجلمانيت في عزبته يوم حريق القاهرة، ويقر حسن العشماوي بدور «عبدالناصر» في إنقاذها من قرار حل الأحزاب رغم معارضة زملائه له في كتابه «الإخوان والثورة» ويقول كمال الدين حسين في مذكراته «ذهبنا أنا والرئيس الراحل «عبدالناصر» إلي السيد صالح أبو رقيق وكان من قادة الإخوان وأخطرناه حسب اتفاقنا المسبق بموعد الثورة بهدف كسب تأييدهم لثورتنا، كما اتفقنا معه علي أن تقوم قوات من متطوعي الإخوان بالمعاونة مع وحدات الجيش للسيطرة علي طريق السويس لصد أي هجوم انجليزي محتمل صباح يوم الثورة».. أي ان الإخوان أول من علموا بميعاد حركة 23 يوليو قبل ميعادها بيوم.
< تركز خلاف «ناصر» والإخوان حول رفضه تدخل مكتب الإرشاد في الحكم وحول طلبه حل التنظيم السري للإخوان وانقسم الإخوان حول ذلك بين مؤيد للحل وبين غير مؤيد، ولما زادت الغلبة للفريق غير المؤيد للحل وجاءت واقعة الاعتداء علي «ناصر» في المنشية كانت الفاصلة في العلاقة بين «ناصر» والإخوان.. فالفريقان كانا ينتميان لمدرسة الديكتاتورية العادلة والخلاف حول من يمسك بالدفة.. نذكر هذا لمن يحاول تشبيه ما حدث في 30 يونية بأزمة عام 54 فهذا غير صحيح.
< عندما هبت الجماهير في يناير 2011 للتخلص من «مبارك» وأسرته انحاز الجيش لصالح الجماهير، وعندما هبت الجماهير للتخلص من «مرسي» ومكتب الإرشاد وقف الجيش إلي جانب الجماهير.. تحرك «عبدالناصر» في مواجهة التنظيم السري وهيمنة مكتب الإرشاد علي قيادة الضباط الأحرار، أما «السيسي» فقد تحرك انصياعاً لرغبة الشعب في مواجهة من أرادوا التلاعب والتسلط علي إرادة وحرية الشعب.. الرئيس القادم سوف يأتي في مواجهة دستور أقرته الجماهير التي لم تفارق الشارع متطلعة لتنفيذ إرادتها التي أزاحت بها نظامين.. وإذا كان الغرب يتصرف تجاه مصر طبقاً لرغباته، فإذا جاء الانحياز نحو مصالحه كما حدث فيما بعد 11 فبراير 2011 كانت ثورة، وإذا كان الانحياز لتطلعات الشعب كانت انقلاباً.. كما فعل أحمد ماهر في 4 فبراير إذا جاء بالوزارة فهي وطنية، أما إذا لم يأت فالوزارة علي أسنة الحراب البريطانية.