نحو آفاق التحول الديمقراطي

م.حسين منصور

الاثنين, 06 يناير 2014 00:33
بقلم - م. حسين منصور

تسود حالة من التشاؤم تجاه فكرة التطور الديمقراطي لدي العديد من ممارسي العمل العام والنخب السياسية بمختلف توجهاتها.. وتكمن حالة عدم الرضا من تخوفات عودة القوي القديمة لاركان الحزب الوطني المنحل بما لها من تأثير مالي ونفوذ ممتد داخل ممرات أجهزة الدولة المختلفة.. بالإضافة إلي التخوف من عودة القبضة الأمنية الحديدية ودولة الخوف في ظل أجواء المواجهات مع أعمال الإرهاب التي تمارسها جماعة الإخوان.. فضلاً عن تزايد حملة الداعين لعودة فكرة المستبد العادل في إطار الترويج للفريق السيسي رئيساً للجمهورية وأيضاً ما تسوقه عناصر القوي القديمة للنظام البائد من أهمية الاستقرار في مواجهة الاضطراب وانعدام الأمن وتوقف معدلات التنمية والعمل مما يوفر مناخاً مواتياً لعودة أركان النظام القديم تحت عباءة أجهزة الدولة..

< في كل ما سبق رصد لوقائع تجري علي الأرض مع تصورات وتوقعات لأبعاد تطور تلك الاحداث .. والاستسلام لهذا الحديث يفتح الابواب لكل اضطراب في الرؤية ويمنع القدرة علي مواجهة استحقاقات المستقبل بالطريقة الصحيحة.. وجعلنا أسري لعجلة حتمية تقودنا إلي الدولة المستبدة.. وهذا غير صحيح في إطار قراءة الواقع.. فبكل بساطة يتم تجاهل فكرة أن المصريين بالشارع.. وأن الشعب المصري قد أسقط رئيسين في أقل من عامين.. وأن فئات المصريين المختلفة قد شقت عصا الركون واللامبالاة وعدم الاكتراث وأن الوضع العام وصناعة المستقبل قد أصبحت الشغل الشاغل في عقل وضمير المصريين وأن هناك اصراراً جمعياً علي بلوغ الجمهورية الحديثة المدنية الديمقراطية التي عمادها القانون والمواطنة والتسامح..
< الإفراط في صناعة صور متشائمة هو تفريط في القدرة علي صناعة رؤية واضحة لخطوات الدخول إلي المستقبل.. فالقوي المدنية بحاجة إلي حديث واضح عن دورها في التأثير علي المجتمع والتعبير عنه وأن تقدم تصوراتها وأن تملك القدرة علي الوجود والتأثير في ظل تراث طويل للحصار والممانعة وافتقاد القدرة المالية.. القوي المدنية مطالبة بالاتفاق علي خطوات أساسية في إطار خريطة الطريق للمستقبل حول شكل النظام الانتخابي وتقسيم الدوائر وشكل المحليات.. واعتبار النظام المختلط ما بين الفردي والقائمة طريقاً لإحداث التراكم اللازم لتجربة الممارسة الديمقراطية في الاختيار وهذا لم يتوفر قط منذ عام 52..
< الاتفاق علي دوائر فردية صغيرة تصل إلي نصف الدوائر الفردية القديمة المعروفة هو السبيل لصناعة فكرة السمعة السياسية للمرشح والانحياز للبرنامج السياسي وتقليل آثار المال السياسي والعصبية والقبلية وأعمال البلطجة واعتبار تراكم التجربة في ظل نظام يجمع ما بين دوائر

فردية صغيرة وقوائم لدوائر كبيرة هو الطريق للوصول إلي نظام انتخابي بالقائمة يرسخ فكرة البرنامج السياسي ليعلو علي قيم العصبية والنفوذ المالي ولن نصل إلي القدرة علي تطبيق نظام القوائم خالصاً إلا في إطار التراكم والخبرات المتكررة التي نخوضها جميعاً قوي سياسية وناخبين ومرشحين..
< ولا يسقط من قلب الحزمة الحديث عن المحليات وتقسيم الدوائر وعلاقته بفاعلية نظام المحليات في قدرة المراقبة والمحاسبة والتأثير وإشاعة أجواء الممارسة الديمقراطية الصحيحة بجدية الاختيار في ظل دوائر لا يزيد تعدادها علي 300 ألف نسمة مما يجعل الناخب قادراً علي الاختيار والتمييز.. والانتخاب المحلي هو المقدمة للانتخاب البرلماني ونجاح القوي المدنية في الوصول إلي نظام ثابت يدعم فرص وقدرة الاختيار لدي الناخب ويدعم فرص المرشحين العاديين المعبرين عن الناس المتواجدين منهم وبينهم هو السبيل لخلق تيار عام ونخب جديدة شعبية تحمل تصورات وأحلام الناس وتخلق واقعاً ديمقراطيا بأساسات متينة لا تذروها رياح النزوات الديكتاتورية، فنستطيع أن نصل إلي الجمهورية المدنية الحديثة وتطبيق واستعادة التداول السلمي للسلطة..
< إن علي القوي المدنية والنخب السياسية أن يتذكروا جيداً أن النخبة العسكرية والمدنية التي شكلت لحمة الثورة العرابية عندما فقدت القدرة علي تقديم رؤية وطرح تخلخلت واستطاع تحالف الاستبداد والقوي الاستعمارية الكبري أن يطيح بها وأن تقع مصر أسيرة الاحتلال البريطاني.. وأن النخب المدنية التي قادت نهضة مصر وثورتها في 1919 عندما تحللت وضعفت وفقدت الرؤية أطاحت بها المؤامرة الامريكية التي دبرت حريق القاهرة بأصابع الفاشية لتطيح بالتداول السلمي للسلطة.. وأن النخب العسكرية لتنظيم الضباط الاحرار عندما انفردت بالسلطة واستسلمت للهيمنة والتسلط علي صناعة القرار والرأي والوعي أطاحت بهاً أيضاً المؤامرة الامريكية في يونيه 67.. وعندما هبت ثورة 25 يناير كانت الأمة المصرية تصرخ باحثة عن سعد أو النحاس أو عبدالله النديم أو عبدالعزيز فهمي أو مكرم.. فلم تجد قائداً ولا باعثاً فقد اطاح حكم مبارك بالنخب السياسية حينما انهار التعليم واصبحت الدولة رهينة للقطط السمان ورجال الأعمال المختارين وانسحبت الدولة عن أدوارها لصالح جماعات الدين السياسي.. فسقطت الدولة في يد الإرهاب والتعصب والظلام..
< إن الشعب الذي قاد ثورتي يناير ويونيه يستحق أن تقدم له القوي المدنية والنخب السياسية رؤية وطريقاً وحلماً وتطبيقاً وأن تكون قدوة ونموذجاً للإصرار والصمود علي ما طالب به الناس من حرية وكرامة واقتسام للوطن.. لا أن نترنح في أوحال صناعة الطغاة واستعادة الدولة المستبدة..