مشاهد من الثورة الفرنسية

م.حسين منصور

الأحد, 01 ديسمبر 2013 22:47
بقلم: م.حسين منصور


1- بدأ جان بول مارا حياته العملية معلماً لأولاد تاجر سويسري في بوردو ثم انتقل لباريس فدرس الطب ومارس المهنة في نهاية المدة ثم انتقل إلي انجلترا وعايش ديمقراطيتها

وممارساتها في الرشوة والابتزاز وشاهد بؤس الطبقة العاملة الانجليزية وصارت مرادفاً للشعب في ذهنه.. وأخرج كتابه أغلال العبودية  الذي دعا فيه إلي ضرورة الثورة في أوروبا علي النظام الإقطاعي والملكية المستبدة.. عاد إلي باريس ومارس مهنته في الطب.. وفي سبتمبر 1789 أصدر أول أعداد جريدته «صديق الشعب» ولم تكن أوسع الصحف انتشاراً فقد كانت توزع ألفي نسخة يومياً.. وكان مارا يحرر جريدته من أول سطر إلي آخر سطر وكانت الجريدة متهمة بالدعوة للعنف في المضمون وليس في الأسلوب.
2- كان الشعبيون هم العنصر الغالب في سكان المدن الكبري في فرنسا.. فهم قوام بين البرجوازيين الأغنياء وصغار البروليتاريا الذي لم يترك لهم الكفاح في سبيل قوت اليوم متسعاً من الوقت والجهد ليبذلوه في السياسة.. لم يقللوا طبقة اقتصادية فأصحاب المحلات يصرون علي حماية الملكية أما أرباب الحرف فلهم آراء أكثر يسارية في هذا الشأن.. ولم يحظوا بتعليم نظامي مكتمل.. المتعلم منهم كرب حرفة يكون قادراً علي شراء صحف مارا وغيره ويؤثر في عمال ورشته ويصحبهم لاجتماع أو مظاهرة.. وقد جلب الشعبيون بنزولهم ميدان السياسة ما تميزت بهم بيئاتهم من تنوع وخبرة وما ألفوا من صعوبة العيش وضراوة معاملة أصحاب السلطة واعتادوا أن يضعوا خططهم علي أساس الأجل القصير والحلول البسيطة ولذا بدا لهم طبيعيا أن يباد جميع أعداء الثورة.. كانوا سريعي التصديق سريعي الارتياب.. هذه الطبقات الشعبية التي تعيش من اليد للفم أسلمت قيادها للبرجوازية المتوسطة وأكثرها إحساساً بنبضها بزعامة مارا ودانتون وروبسبير.
3- في 25/7/1792 أصدر الدوق دي برنسويك قائد الجيش البروسي بياناً يهدد باريس بالتدمير التام إذا اعتدي انسان علي قصر التويلري ولحق أذي بالأسرة المالكة.. عرفت باريس البلاغ فزاد الهياج واتحد اليعاقبة والجيروند لتدبير هجوم جديد علي الملكية.. تألفت مظاهرة ضخمة من أقسام باريس قصدت الجمعية التشريعية تطلب خلع الملك.. رفضت الجمعية  التشريعية الخضوع لديماجوجية الغوغاء.. احتشد الثوريون واستولوا علي إدارة البلدية ودخلوا مجلسها وأنشأوا كميونة باريس ووضعوا علي رأسها دانتون وحاصروا الملك.. وتشكلت وزارة جديدة دخلها دانتون وزيراً للعدل وأصبح مارا رئيساً للجنة المراقبة والأمن العام.
< أرغمت الجمعية التشريعية علي إقرار التغيير الذي حدث في مجلس البلدية وعمد الثوريون إلي حيازة كل وظائف الكميونة.. كما طلبت الكميونة من المجلس التشريعي تشكيل محكمة استثنائية لمحاكمة أعداء الشعب.. تزايد خطر الزحف الخارجي والجيش البروسي علي الأبواب.. ولم تلبث أن سقطت فردان فأصبح الطريق ممهداً للوصول إلي باريس.. فاستبد الفزع بأهلها.. كميونة باريس انتزعت من الجمعية التشريعية كل شئون الدفاع عن باريس وأصبح دانتون ديكتاتوراً حقيقياً عليها في مواجهة أعداء الوطن وكان شعاره ارهاب الملكيين والقاء الرعب في قلوبهم.. ودخل مارا هيئة الكميونة المشرفة علي الشرطة وجري تفتيش المنازل بدعوي البحث عن السلاح وفي الحقيقة للقبض علي أصحاب الميول الملكية.
< وكتب مارا للفقراء انهم لن يظفروا بفائدة من الثورة إلا نتيجة لنشوب حوادث العنف.. وترددت في شوارع المدينة شائعة بوجود مؤامرة دبرها أعداء الثورة المسجونون ليهربوا علي رأس عصابة سفاكة من المسجونين وألصقت علي جدران باريس اعلانات التجنيد وعبارات إلي السلاح أيها المواطنون وخلصت اعلانات مارا إلي النتيجة المنطقية فدعت لذبح أعداء الثورة.. وفي عصر 2 سبتمبر 1792 بدأت فرق الشعبيين والثوار تحاصر السجون وتذبح المسجونين، أما كميونة باريس فهي عاجزة عن التدخل أو غير راغبة فيه.. وطلبت كميونة باريس من الأقاليم اتخاذ اجراءات شبيهة بدعوي انه لا يترك الذاهبون لميدان القتال أسرهم يفتك بهم أعداء الثورة فوقعت مذابح في فرساي وليون وأورليان.
4- في هذه الأثناء كانت انتخابات المؤتمر الوطني ففي باريس كانت الكميونة نافذة فانتخب اليعاقبة وقد أخذوا اسم الجبل لجلوسهم إلي اليسار في أعلي مقاعد المجلس حيث نجح روبسبير ومارا ودانتون وديمولان وكلهم جبليون أما في باقي الأقاليم فقد ساد استنكار للحوادث الدامية وفازت الجيروند بأغلبية المقاعد وهو التجمع اليميني ويمثل اقتصادياً البرجوازية الكبيرة من رجال الصناعة والمال ويتحدثون عن الشرعية وسيادة القانون ويقدسون الملكية الفردية وكانوا يطالبون بحكومة نظامية لا سيما انهم فقدوا الثقة في الجماهير الغوغاء في أعقاب الحوادث الأخيرة أما الجبل فكانوا مصممين علي أن تستمر الثورة وسعوا لانتزاع السلطة من

أيدي الجيروند وكانوا علي استعداد لقبول أي نتائج يسفر عنها تطرف الديمقراطية واستنكروا كل عمل من شأنه تعطيل إرادة الشعب.
< اتخذ المؤتمر الوطني أول قراراته باعلان الجمهورية.. ثم بدأ الاحتكاك بين الحزبين فقد استنكر الجيروند المذابح الدموية وهاجموا دانتون وردوبسبير ومارا وعمد الجيروند لتفكيك كميونة باريس فرد عليهم الجبليون بأنهم يريدون تمزيق وحدة فرنسا إلي عدة جمهوريات مستقلة منفصلة عن المركز باريس وهكذا اتهم الجيروند الجبليين بالديكتاتورية واتهمهم الجبليون بالفيدرالية.
< اتهم الجبليون الجيروند بالدفاع عن الملك وحياته وخلص المؤتمر الوطني إلي اعدام الملك في اطار حرب الارهاب الفكري التي تم شنها.
< في أعقاب اعدام الملك أراد ديموريه قائد الجيوش الفرنسية بعد هزيمته أن يعيد الملكية ويتوج فيليب لويس وكان قريباً من الجيروند.. فاشتد الهجوم عليهم.
< تزايد خطر الزحف الخارجي فتقرر توسيع سلطات المحكمة الثورية وانشاء لجنة الخلاص العام ذات السلطات الواسعة لمواجهة الموقف الحربي والاقتصادي.. اقترح الجيروند انشاء لجنة لبحث قرارات الكميونة.. وبالطبع المذابح التي وقعت.. واللجنة من 12 عضو من الجيروند.. قررت اللجنة القبض علي هيبير صاحب جريدة الأب دوشيه لسان حال الثوريين بسبب مقال اتهم فيه الجيروند بالتآمر لاعادة الملكية.. فحاصر مسلحون المؤتمر الوطني وطلبوا القبض علي أعضاء لجنة الـ12 خرج أعضاء المؤتمر لمواجهة الحصار فبادر الشعبيون بتوجيه المدافع نحو أعضاء المؤتمر وكان مارا هو من نظم وقاد الحصار الشعبي لمقر المؤتمر الوطني.
< انقلب النواب عائدين لمقرهم وانتهز مارا الفرصة فأعد قائمة بأسماء النواب الذي يراد حبسهم وهم أعضاء لجنة الـ12 وعشرون آخرون من الجيروند وألقي القبض علي هؤلاء واستطاع آخرون الهرب.
5- كان نتيجة للانقلاب الذي حدث سقوط الجيروند وفر عدد من المقبوض عليهم وذهبوا إلي «كان» وانحاز إلي جانبهم أكثر من 50 مديرية في مواجهة صغيان باريس.
< شارلوت كورداي كانت تتردد علي النواب الجيروند الفارين إلي «كان».. وكانت مخطوبة إلي أحد المتعاطفين مع الجيروند.. شارلوت قبلت في سن الثالثة عشرة في دير السيدات وكانت تجد السلوي في العزلة مع صاحبتيها وهم من أصل نبيل فقير مثلها وكانت تقرأ لروسو وتحيا بين أبطال بلوتارك الذين اشتروا الخلود بمواجهة الموت.. وقالت لصديقتها قبل أن تغادرها إلي باريس انها قررت أن تقتل لا رجلاً بل وحشاً كاسراً يلتهم الفرنسيين.
< تنتمي شارلوت لأسرة الشاعر كورنبي.. بقي لها من صباها صوت العذراء الصغيرة فكان سمة مشتركة بينها وبين جان دارك.. وصلت إلي باريس طلبت مقابلة مارا صديق الشعب بدعوي ان لديها معلومات عن نشاط الجيروند الفارين.. فلما قابلته طعنته وقضت عليه في 13 يوليو 1793.. اعتقدت انها ترتكب جريمة من جرائم البطولة بالتخلص من طاغية.. قدمت شارلوت كورداي إلي المقصلة في 19 يوليو 1793.. موت مارا حوله إلي أسطورة.. في أذهان مؤيدي الجبل.. وأيضاً موت مارا كان بالنسبة للمؤتمر الوطني الباب المفتوح لجميع ضروب الغوغائية والتطرف.. ليبدأ عهد حكومة الخلاص العام وعهد الإرهاب!.