الحزبية في مفترق الطريق

م.حسين منصور

الأحد, 24 نوفمبر 2013 22:09
بقلم: م.حسين منصور

كانت فترة حكم الرئيس المعزول مدفعاً موجهاً لإسقاط العديد من القيم الديمقراطية.. فقد أنفق الرئيس المعزول فترة حكمه محمولاً علي كف مكتب الارشاد من الخلف وفي الواجهة حزب اسمه الحرية والعدالة يعرف الجميع انه لا ناقة ولا جمل له في صناعة القرار.. وأن كافة القرارات هي من صناعة مكتب الارشاد.. فكان هذا مقذوفاً من العيار الثقيل لسقوط معني ومضمون الحزب علي يد الإدارة غير المتزنة والتابعة القائمة علي السمع والطاعة للرئيس المعزول من جهة وعلي يد تنظيم الإخوان الذي اعتاد الحياة في القبو السري واصدار التعليمات واجبة النفاذ طبقاً للسمع والطاعة، فالمرشد ومكتبه فوق الجميع والسمع والطاعة للأمير وهو المرشد مما أظهر صورية فكرة الحزب!.

< استطاع الرئيس المعزول بسياساته المنحازة للجماعة لا للشعب وبتفريطه ففكرة الوطن واشاحة وجهه عن الناس وتوجهه لأهله وعشيرته وتلاعبه بالأمن القومي للوطن بإفراجه عن المئات من المتورطين والمرتكبين لأعمال القتل والارهاب والترويع وفتح حدود وطنه لاستقبال الضالعين في المؤامرات علي سلامة الوطن أن يدفع أبناء الشعب دفعاً للتطلع للمنقذ المخلص القوي القادر علي استعادة وحدة الوطن وأمنه وسلامة شعبه وشعوره بالاطمئنان لرئيس يحرس الوطن لا لراع يتآمر علي رعيته ووطنه لحساب صناعة ولاية بديلة علي المقاس الإخواني.. مما كان له أسوأ الأثر في تصاعد المطالبات بعودة المستبد العادل!.
< عندما انتفض عرابي وتحالفت القوي الشعبية مع الجيش في ثورة 1881 وحملت الجماهير عرابي علي الأعناق وفي القلوب وبدأت حركة حزبية للتعبير عن الآمال والمطالبات.. لم يمهلها الاستعمار والقوي الكبري فكان احتلال مصر ايقافاً

لحركة حزبية تدب بخطواتها الأولي فلم تأخذ فرصتها في النمو حتي نري تفاعلها وآثارها وملامحها.
< وشبت التجربة الحزبية في أعقاب ثورة 19 كأحد انجازاتها ومضت رغم الانقلابات الدستورية عليها من فؤاد وفاروق، وغرست جذورها في أرض الوطن ولكن القوي الكبري كان لها رأي آخر فكان حريق القاهرة عاصفاً لإيقاف عجلة التقدم والتداول السلمي للسلطة لحساب الشمولية بكافة أشكالها وليرزح الوطن في محنة الصراع الشمولي.
< جاءت حركة 23 يوليو ليكرس ناصر سطوة الكاريزما والفردية علي المؤسسات التي صنعها ضعيفة متهافتة تهاوت مع أول مواجهة مع السادات الذي أكد فردية صناعة القرار وصورية المؤسسات حتي انه أعاد الديمقراطية والأحزاب بقرار وعصف بالديمقراطية والأحزاب والقوي السياسية بقرار آخر.. فكانت المحصلة موتاً حقيقياً للعمل العام والسياسة وترسيخاً لحكم الفرد وعبثية المؤسسة والعمل الجمعي!.
أما مبارك فكان عرضاً مملاً لحكم الفرد والبطانة وتأصيلاً وتجويداً للفساد والقهر والاغتصاب.. ففتح كل الأبواب لمناخات الرداءة والهوان وصناعة الآفات والأمراض الحقيقية والاجتماعية والمعنوية.. فكان قتلاً لروح الوطن.
< الحزبية تواجه تاريخاً لم تصنعه وكانت مرغمة عليه فلم تتوفر لها فرص النمو والتفاعل الطبيعي مع الناس لتبني أدواتها اللازمة في الوجود والاحتشاد والتجذر في قلب الوطن.. وتواجه نفوراً من العمل العام وثقافة سلبية تجذرت عبر عقود الشمولية واتهاماً يكاد يكون ظالماً بالتخاذل توطد في الأذهان صنعته أعوام
الحصار واليأس في ظل الدولة البوليسية المستبدة.
< الحزبية تواجه آفاتها الداخلية المصاحبة لظروف النشأة من فردية ونخبة متسلطة متنازعة فضلاً عن أمراض التكلس وبؤس الابداع وتوقف خلايا النمو والتجديد، وكذا انتهازية الأفراد وسطو المنظمات الحقوقية المتمولة خارجياً لاستخدامها غطاء سياسياً للمتربحين من تلك المنظمات.
< الحزبية تواجه آثار ما فعله الرئيس المعزول وجماعته وما تفعله اليوم جماعة الإخوان من تدمير منظم للدولة وإبادة للمستقبل مما يدفع الناس للصراخ بحثاً عن العادل المستبد وما يصاحبه هذا من اعلام يدشن الحملات المروجة للمنقذ المخلص ويسفه ويهدر من قيمة الأحزاب.
< الحزبية هي روح الدولة المدنية وعمادها والتعبير الساطع عن التعدد والتسامح وقبول الآخر.. والقدرة علي نقل التفاعلات الشعبية وطموحات الناس العادية لسطح التفعيل وصناعة القرار بواسطة آليات الديمقراطية والشفافية والمحاسبة.. وهي تفاعل وحركة ووجود الناس ودليل حيوية الوطن وابداعه وقدرته علي صناعة قنوات التواصل والتداول السلمي للسلطة.
< في هذا الاطار وفي ظل ثلاثة أعوام من الثورة.. مرحلتان انتقاليتان.. ثورتان أطاحتا برئيسين.. أجواء شديدة الاضطراب.. وأبواب أمل مفتوحة علي كل شيء وفي مقدمتها صناعة تجربة حزبية ناجحة تصنع وتبني وتحمي الجمهورية المدنية المأمولة.. يتضح العبء الهائل الواقع علي عاتق قيادات الأحزاب وأعضائها والمهتمين بالعمل العام وصناعة الدولة المدنية وذلك للخروج من المأزق ومواجهة المزاج الفاشي المتصاعد بتقديم نماذج عملية جادة للتفاعل والوجود بين الناس وتقديم رؤي واضحة للمستقبل بتنويعات مختلفة مما يحمل حافزاً للالتفاف من الناس حولها ويتيح لها قدرة الاندماج والتعبير الحي والتجذر في قلب الوطن.. وإلا فإننا ننجر جراً لتجربة جديدة بائسة تنضم لسجلات التجارب الفاشلة التي نحياها عبر ستين عاماً مضت.
< التجربة حقاً في مأزق الموارد والقدرة علي التواجد وابداع الصيغ المختلفة للتأثير وخلق أشكال عمل وجذب واندماج في مواجهة أعراف وأنماط وثقافات سلبية تجاه العمل العام.. ولكن إرادة التغيير والتغير وإرادة التعلم والتعليم والبث والاستقبال.. إرادة الثورة سوف تشق مجراها وتبحر إلي مرساها في عقل وقلب الناس.