الحزبية فى مصر ـ العودة تحت الحصار

م.حسين منصور

الاثنين, 18 نوفمبر 2013 10:18
بقلم: م. حسين منصور

بعد غياب استمر ربع قرن قرر الرئيس السادات فى مارس 76 السماح بإقامة ثلاثة منابر من داخل الاتحاد الاشتراكى.. وفى نوفمبر 76 مع جلسة افتتاح برلمان 76 قرر تحويل المنابر إلى أحزاب وصدر قانون الأحزاب، بقيود مشددة للسماح بتكوينها ومنها ان يكون للحزب20 نائبًا بالبرلمان!! ولكن سراج الدين وجيل شباب الوفد فى الأربعينات والخمسينات تمكنوا من ضم 24 نائبًا من برلمان 76 وأن يستوفوا «العقبات» أقصد الشروط اللازم استيفاؤها لعودة الوفد..

< عادت الحزبية وشكل اليسار والناصريون باتجاهاتهم المختلفة حزب التجمع، وشكل مصطفى كامل مراد وهو من الضباط الأحرار حزب الأحرار، وتحول منبر الوسط بتركة الاتحاد الاشتراكى إلى حزب مصر الذى تحول بين ليلة وضحاها إلى الحزب الوطنى.. وعاد حزب الوفد، وكان السادات قد قام سابقًا بإطلاق حرية الحركة للجماعات الدينية بالجامعة فى مواجهة تيارات اليسار المناوئة له، وقام بالإفراج عن العديد من قيادات الإخوان.
< كانت انتخابات 76 أول تجربة تكاد يكون بها قدر من النزاهة الانتخابية منذ انتخابات 1950، واستطاعت قوى المعارضة أن تثير العديد من القضايا حول الانفتاح والغلاء والاستقلال الوطنى وتحرير الأرض.. وجاءت انتفاضة يناير 77 على إثر القرارات الاقتصادية التى اتخذها القيسونى وليستغلها النظام لتوجيه ضربة أمنية للمعارضة ولحزب التجمع على وجه الخصوص.. وفى أعقاب زيارة القدس اشتعلت المعارضة تجاه السادات وسياسات التقارب مع أمريكا، وكان الاستقبال الشعبى الذى صاحب عودة الوفد والاحتفال الجماهيرى الذى قوبل به سراج الدين أينما ذهب له أكبر الأثر فى تفكير السادات فى التجربة الحزبية، فسارع النظام باستصدار مجموعة من القوانين المقيدة للحريات كقانون العيب والسلام الاجتماعى، وقام البرلمان بفصل العديد من المعارضين كالشيخ عاشور النائب الوفدى وعبدالفتاح حسن وأبوالعز الحريرى.. وانفجرت الحرب ضد المعارضة التى وصفت بالعمالة وإثارة الفتن.
< وهكذا انفقت الحزبية منذ عودتها ثلاثة أعوام عاصفة استطاعت فيها أن تجعل المواطن العادى يستشعر وجودها ويتابع معاركها متابعة المتفرج لمباريات المصارعة الحرة ما بين نظام مستأسد وأحزاب وليدة اثارت لغطًا وصياحًا واسعًا انتهى به الأمر لأن أصدر السادات أوامر الاعتقال لكافة قيادات المعارضة فى أكبر حملة اعتقالات فى سبتمبر 81 لكافة القوى المدنية والدينية.
< وهكذا نلحظ أنه فى حين أطلق السادات حرية الحركة لتيار الدين السياسى فإنه خاض حربًا شرسة ضد قوى المعارضة المدنية، وهو نفس ما فعله ناصر فى الفترة 52 ـ 54، وعاد مبارك ليكرر فى التسعينات والعشرة أعوام الأخيرة فى حكمه.. وكان لهذا الحصار الحديدى أكبر الأثر فى النشأة الكسيحة للأحزاب وقدرتها على التجذر والوجود فى الشارع.. بينما ينقلب السحر على الساحر فى كل مرة من محاولة اغتيال ناصر فى نوفمبر 54 إلى اغتيال السادات فى أكتوبر 81، وليخوض النظام حربًا ضروسًا فى مواجهة الإرهاب فى أعقاب كل واقعة!!
< يتولى مبارك الحكم فى أعقاب استشهاد السادات على يد جماعات الإرهاب.. افرج عن المعتقلين السياسيين، وبدأت الحياة الحزبية مرحلة جديدة، استبشر الكثيرون بها وجاءت انتخابات 84 واعتقد أنها قد ترقى لمستوى انتخابات 76 ولكن كمبيوتر الداخلية كان له رأى آخر، فأطاح بأصوات المعارضة

ولم ينج من فخ حاجز الأصوات 8٪ سوى الوفد، وقد احرز 15.8٪ من الأصوات الصحيحة.. وجاءت انتخابات 87 ليتكرر نفس الأمر فى التلاعب بالأصوات وترتيب الناجحين بالقوائم طبقًا لمزاج كمبيوتر الداخلية.
< عاد النظام الفردى للانتخابات، فقاطعت قوى المعارضة انتخابات 90 عدا التجمع ونال أربعة مقاعد، وجاءت انتخابات 95 فلم تنل المعارضة من المقاعد الا ما لا يتجاوز عشرين مقعدًا وأصبحت الانتخابات مذبحة واسعة تساق لها أحزاب المعارضة.. فنتائج الانتخابات معلومة مسبقًا، والمعارضون يخوضون الانتخابات وهم متيقنون من الهزيمة القادمة، فأصبحت بالطبع لعبة بائسة أن تذهب بنفسك إلى مذبحك.. وامتنع الكثيرون عن خوض تلك المهزلة وخاضها من كان له حسابات وأعد عدته بطريقة أو بأخرى!!
< بالوصول لعام 95 أصبح واضحًا أن المسموح فقط هو حرية الصراخ فضلاً عن تعرض مصر فى التسعينيات لغارة إرهابية من جماعات الإرهاب المتستر بالدين وأصبحت قوى المعارضة فى موقف لا تحسد عليه بين شقى الرى من قوى الدين المسيس التى تريد جر البلاد لمستنقع ظلامى استبدادى باسم الدين ونظام الحزب الواحد المستأسد بقواه الأمنية الباطشة والمتحالف مع مجموعات مختارة من رجال الأعمال.. وأغلقت جميع النوافذ والأبواب حول الأحزاب المدنية وأصبح الوطن ألعوبة للشمولية سواء الدينية أو العسكرية وإن اتخذت مظهرًا مدنيًا استبداديًا.
< لم تأت انتخابات 2000 بجديد سوى تزايد عدد مقاعد المنتمين لجماعة الإخوان لحوالى 17 مقعدًا، أما فى انتخابات 2005 فى أعقاب دعوة وزيرة الخارجية الأمريكية لعالم جديد فى إطار الفوضى المنظمة استطاع الإخوان أن يحرزوا 88 مقعدًا فى إطار صفقة اعترف بها المرشد العام السابق مهدى عاكف، وليستمر النظام الشمولى فى ممارسة نفس اللعبة تضييقًا كاملاً على المعارضة المدنية واطلاق حركة جماعات الدين المسيس.
< كان لاستطالة فترة حكم مبارك فى ظل مناخات الحصار المسموم أثر فى افراز العديد من الظواهر المشوهة.. فقد تحرك العديد من المعارضين للتواصل مع النظام الحاكم بحجة ما لا يؤخذ كله لا يترك جله.. مما فتح الباب لصناعة معارضة تفصيل تفتقد المصداقية، وانعكس هذا بشكل سلبى على صورة التجربة الحزبية.. كما أن عدم تجدد دماء النخب والقيادات الحزبية دفع العديد من الأجيال الوسيطة والشابة للخروج والمشاركة فى العمل العام عبر المنظمات الحقوقية المختلفة، مما فتح بابًا للممارسة السياسية والعمل المربح فى ظل تمويل خارجى واسع ونشاط خاضع لأجندة الممول وليس خاضعًا لمطالبات واحتياجات المجتمع المدنى، مما كان له أثره السلبى على العمل العام نفسه.. وبالطبع كان لليأس والتكلس أثره أيضًا فى التجربة الحزبية وعدم قدرة الأحزاب على التواصل والإبداع بلغة ومفردات جديدة حتى تتمكن من التواصل مع الأجيال الناشئة على التقنيات الحديثة والعالم الذى أصبح قرية صغيرة.
< وعلى الرغم من كل تلك المآخذ فلقد استطاعت التجربة الحزبية فى ظل مبارك أن تدق المسمار الأخير فى نعش نظامه حينما أعلن الوفد انسحابه من انتخابات 2010 الجولة الثانية ليسقط عن النظام آخر أوراق التوت فى مواجهة الجماهير التى طال صبرها على نظام استطال عمره وجهله وفساده واستبداده ومظالمه.. فكانت ثورة يناير ميلادًا جديدًا لكل الوطن.