الحزبية فى مصر ـ النشأة والازدهار

م.حسين منصور

الأحد, 10 نوفمبر 2013 22:10
بقلم: م. حسين منصور

كان الحزب الوطنى الذى أعلن عن وجوده فى نوفمبر 1879 هو أول حزب مصرى، وقد تشكل فى مناخات الفورة والثورة فى مصر منذ عام 1876 مع استحكام التدخل الاجنبى فى

إدارة شئون مصر وتفشى استبداد اسماعيل ونزواته التى أدت الى وقوع مصر رهينة للتدخل الأوروبى.. وتشكلت العديد من الجمعيات السرية.. ففى الاسكندرية تشكلت جمعية مصر الفتاة وضمت تلامذة الأفغانى مثل أديب اسحق وسليم النقاش، وتكونت جمعية سرية من ضباط الجيش أسسها على الروبى انضم اليها عرابى حتى صار الزعيم ؟؟؟ لها.. وأيضاً تشكلت جمعية من كبار الوزراء السابقين والموظفين الفنيين الحانقين على ما آلت اليه الأحوال فى حلوان ضمت اسماعيل باشا راغب وشريف باشا وعلى سلطان باشا... من هذه الأخلاط غير المتجانسة تشكل الحزب الوطنى أو ما عرف بالحزب الأهلى أو حزب الفلاحين ولم يأخذ الحزب شكلاً تنظيمياً واضحاً وجمعت تياراته الرغبة فى الاستقلال ضد التدخل الأجنبى ومواجهة الاستبداد الخديوى والوصول لحكم دستورى ونيابى وتحقيق المساواةوالعدل بين أبناء الوطن ورفع الغبن والقهر والبؤس عن كاهل المصريين.
< فى هذا الاطار تواجد الحزب فلما انطلقت الثورة وعهد لشريف باشا بتشكيل الوزارة فى أعقاب تظاهرة «9 سبتمبر 1881»، وخشى شريف من تدخل وسطوة الجيش والعسكريين فى ادارة دفة الأمور فكانت هذه أول مخاشنة بين المدنيين والعسكريين ولعلها لم تكن تعبيراً كاملاً عن ذلك الاحتكاك حال كون شريف باشا ذا أصول تركية ولديه نزعة تكبر وصلف فضلاً عن استطالة شعبية عرابى وأصحابه وسطوته الجماهيرية البالغة مما أثار حفيظة شريف باشا وجعله متخوفاً من التدخل فى ادارة دفة الحكم.. كان شريف باشا سياسياً متمرساً مثقفاً ينتمى لطبقة كبار الوزراء الناقمين من التدخل الأوروبى واستبداد الخديو، ولكنه أيضاً كان منزعجاً من فورة الجماهير واحتشادها وتعلق آمالها بطبقة الضباط وبعرابى فى الدفاع عن مطالبها فى الاقتسام...لم تستمر تلك التجربة الحزبية بل

لفظت أنفاسها الأخيرة مع طلقات المدافع التى دكت الاسكندرية فى 11 يوليو 1882 معلنة بداية الاحتلال وهزيمة عرابى على يد الخيانة واستقواء توفيق بالخارج!!
< احتاجت مصر ما يقرب من أربعين سنة حتى تتعافى وتنهض من كبوة الاحتلال لتطالب بالاستقلال، وتشكلت فى تلك الآونة أحزاب الأمة والوطنى والحزب المصرى، الاصلاح  على المبادئ الدستورية، وأخيراً الوفد الذى قاد ثورة 19.. كانت التجربة شبه الليبرالية «19 ـ 52» تجربة استثنائية في تاريخ البلاد.. فقد اشتعلت ثورة 19 وخاضت مصر معارك  الاستقلال والتنوير والتمصير فى ظل عدم وجود جيش وطنى اللهم الا بعض الفرق والاورطات التى يترأسها كبار الضباط الإنجليز  على الحدود أو فى السودان.. أفرزت التجربة حياة برلمانية عامرة ونقاشات وصولات وجولات عبرت عن نهضة وطن ونزوع أبنائه نحو دولة المواطنة العادلة المتسامحة.
< أفرزت التجربة نواباً عظاماً وبرلمانيين عتاة كانت أصواتهم أصوات أمة لاهثة نحو الشمس تريد ان تطولها لتطوى أزماناً بائسة مظلمة.. رأينا أحمد عبدالغفار واستجوابه حول رواتب ومصروفات الملك فؤاد.. شاهدنا احمد ماهر وهو يقاطع الزعيم.. يقاطع سعد ويطالب بإصدار قانون للمعاهد الدينية وخضوع الأزهر للرقابة المالية بعيداً عن الرعاية الملكية.. شاهدت مصر يوسف الجندى وفكرى أباظة وعزيز ميرهم واحمد ابوالفتوح وقائمة طويلة من القامات التى لا تنحنى.. شاهدت مصر عزيز فهمى وهو يقاطع أباه عبدالسلام فهمى جمعة الجالس على منصة رئاسة مجلس النواب مدافعاً عن حرية الصحافة فى مواجهة القوانين التى قدمها اسطفان باسيلى، مذكراً إياه بأنه لأبوه بالمنزل ولكننا هنا تحت القبة أبناء لهذا الوطن نرفع صوت شعبه..
< تلك المناخات فتحت ابواب التقدم على
مختلف الأصعدة المتعلقة بفكرة العمل العام والمشاركة والجماعية.. فخرجت الجماهير مدافعة عن حقها فى دستور يحدد علاقة الحاكم بالمحكوم.. دافعت عن دستور 23 واستعادته فى معركة النفس الطويل من «30» الى «35»، و جاءت بأرواح المصريين فضلاً عن الجرحى والمصابين فى مواجهة الاستعمار والسراى.. شكلت المعارك وعى الناس وطرحت كل الأفكار وخرجت الأحزاب الجديدة.. فكانت أحزاب اليسار بتشكيلاتها المتنوعة.. الدفاع عن الفلاح واعادة تقسيم الثروة.. خرجت ايضاً الأحزاب الفاشية فكانت مصر الفتاة وتشكلت حركة الاخوان لتكون خنجراً دائماً فى ظهر الحركة الوطنية وعونا لكل سلطة وسلطان فتعاونت مع الإنجليز وتحالفت مع فؤاد وفاروق.. ولكن حركة الجماهير مضت فى طريقها وأجبرت الجميع على الخضوع لمطالبها فكان الغاء معاهدة «36» تعبيراً عن استجابة الوفد وزعيمه النحاس لمطالب الناس.
< كانت هناك حركة نقابية حقيقية واسعة دخلت فى معارك ونضالات حفرت بها تاريخها وتراثها واستطاعت أن تصل الى حزمة القوانين العمالية التى اصدرتها حكومات الوفد المتتالية من «36» حتى «50» وكادت  تصل الى تشكيل اتحاد عام عمال مصر ولكن حريق القاهرة قطع عليها الطريق.. أيضاً نشطت الحركة التعاونية والجمعيات الأهلية وكان المجتمع المدنى معبراً عن نفسه وكانت من ثماره جامعة القاهرة ومستشفيات المواساة بالقاهرة والاسكندرية ومدارس بجمعيات التوفيق والمعارف وغيرها من الأنشطة الأهلية..
< ألقت المناخات المفتوحة أثرها على أصعدة التعليم والثقافة والعلم والفنون فأخرجت مصر أبرز علاماتها وأبنائها فكان مشرفة وعلى ابراهيم وعبدالرحمن الساوى على صعيد العلم والعلماء وكان طه حسين والعقاد وأحمد حسن الزيات وسلامة موسى ولطفى السيد وشوقى وحافظ على أصعدة الثقافة والأدب والشعر.. واستعادت مصر أمجادها فى فنون النحت والتصوير فكان مختار ومحمود سعيد ويوسف كامل وراغب عياد.. ونشرت مصر ثقافاتها وآدابها وفنونها عبر الموسيقى والسينما فكان سيد درويش وعبدالوهاب والسنباطى وأم كلثوم ويوسف وهبى ومحمد كريم..
< كان هناك فقر وبؤس واختلال فى توزيع الثروة.. تراث طويل لعقود القهروالظلام والاحتلال.. وكانت هناك أيضاً جماهير هادرة مؤمناً بحقوقها ساعية لها تمتلك الإرادة والمبادرة والقدرة على التحرك والاحتشاد وكانت هناك قوى سياسية متحركة حية تعبر عن المطالب الجماهيرية المختلفة.. كانت هناك ثورة تدق الأبواب لتعيد بناء الوطن الحر المتسامح المملوك للجميع.. كل هذا توقف على وقع مؤامرة حريق القاهرة التى فتحت الباب واسعاً لحركة 23 يوليو وليسقط الوطن فى بئر الشمولية على طريق الاصلاحات الانقلابية بالقوة القاهرة..