رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

حريق القاهرة والقضاء علي التداول السلمي للسلطة

م.حسين منصور

الأحد, 27 أكتوبر 2013 21:47
بقلم: م.حسين منصور


لم تتعرف مصر علي المليونيات والحشود الضخمة إلا في مطلع الخمسينيات إبان حكومة الوفد يناير 1950 - يناير 1952... وكان الشارع السياسي في غليان مستمر فلا يخلو يوم من مظاهرات ومطالبات وباعلان النحاس الغاء معاهدة 36 في أكتوبر 1951 تحولت مصر إلي ثورة عارمة ضد الانجليز والملك... وخرجت المليونية الشهيرة في 7/11/1951 التي قادها النحاس ورؤساء الأحزاب وأقطاب السياسة وضمت تلك التظاهرة مليونا ونصف المليون في تظاهرة صامتة تجوب شوارع القاهرة لما يزيد علي سبع ساعات  فكانت تعبيراً عن

نضج التجربة الحزبية وقدرتها علي التعبير عن مطالب الأمة والناس وهذا المستوي الرفيع في التعبئة والحشد خلف قضايا الوطن وحقوق الجماهير في العدالة والحرية والاقتسام.
< وانقطعت أخبار ذلك الاحتشاد الشعبي مع قيام نظام 23/7/1952 حتي عاد مع الخروج الشعبي في 25/1/2011 وكانت أبرز مظاهرها في احتشاد 1/2/2011 والذي ظل متراوحاً مستمراً حتي رحيل الرئيس المخلوع... وظلت التظاهرات سلوكاً شبه يومي حتي كانت الاحتشادات والموجات الجماهيرية المصاحبة في أعقاب الاعلان الدستوري للرئيس المعزول في 11/2012 ثم كان الخروج الكبير في 30/6 في احتشاد غير مسبوق لتصحيح المسار واسترداد الثورة المغتصبة... ولعله لم يتغير اللاعبون خلف تلك الأحداث المختلفة زمنياً وان اختلفت أحجامهم وأدوارهم!.
< جاءت أحداث حريق القاهرة المشئوم في أعقاب المد الشعبي والجماهيري وحركة الفدائيين في القنال الذي فتحت أبوابه حكومة الوفد في أعقاب الغاء النحاس معاهدة 36 تعبيراً عن مطالب وإلحاح شعبي في قطع المفاوضات والغاء المعاهدة ثم كان رفض الوفد للمشروع الرباعي الذي تقدمت به أمريكا وانجلترا وفرنسا وتركيا وهو مشروع تحالف يربط مصر بهذه الدول علي أساس قيام قيادة مشتركة مرتبطة بحلف الأطلنطي... وأمر مصطفي النحاس وزير الخارجية بألا يقابل سفراء الدول الأربعة مجتمعين بل فرادي تعبيراً عن استنكار مصر لتكتلهم ضدها وأن الدفاع عن مصر شأن مصر وأنه لا أعداء لمصر إلا محتلوها... واليوم أيضاً أين تقف تركيا وأمريكا من ثورة الشعب المصري... وتحولت قاعدة القنال جحيماً علي الانجليز بعد أن قامت حكومة الوفد بسحب العمال المصريين من القاعدة وقامت بتوفير فرص عمل بديلة لـ82 ألف عامل وقدمت وسهلت الحصول علي السلاح للفدائيين... وكانت مصر كلها تموج بحركة شعب يسعي لعالم جديد يملكه ويقرر مصيره.
< ظلت أصابع الاتهام موجهة للانجليز والملك باعتبارهم المستفيدين الرئيسيين للتخلص من حكومة الوفد ووقف المد الشعبي والفدائي... وبالطبع كانت العديد من القوي تنظر بعين الاستحسان للتخلص من الوفد من أحزاب الأقلية إلي كافة القوي الفاشية من أحمد حسين وجماعة مصر الفتاة التي كانت تعتبر الوفد هو حصن الحزبية الحصين والإخوان المسلمين الذين لا يؤمنون أصلاً بالحزبية ويعتبرونها عقبة كأداء في سبيل مشروعهم وقد كانت جماعة الإخوان قد بلغت شأناً كبيراً في التعاون مع مجموعة الضباط الأحرار حتي ان عبدالناصر قام بتعبئة الأسلحة والمتفجرات في عزبة حسن العشماوي القيادي الإخواني وقامت مجموعة من الضباط الأحرار بعمل مخزن آمن لوضع الأسلحة والمتفجرات بنفس المكان!.
< ولعله في ظل الأحداث الشعبية الضخمة في حجم الحركة والتمدد تبقي العديد من الصور غامضة مغلقة علي التفسير ففي حين ظل الجميع يشير إلي الغوغاء والدهماء كأصابع منفذة في حريق القاهرة وظل منفذو أعمال الحرق يسيرون في أعمالهم في اصرار ونظامية في حين كانت المظاهرات تعم القاهرة احتجاجاً علي معركة الإسماعيلية واستشهاد خمسين من رجال الشرطة المصرية... وكذا ففي وقتنا الحاضر كانت الجماهير محتشدة في مواجهة قوات الأمن في الميادين الكبري في حين كان هناك اصرار من آخرين علي اقتحام الأقسام والسجون واعمال الحرق فيها وتهريب أعضاء الإخوان وأيضاً تلك المجموعات المستأجرة لحساب الشاطر أو غيره واعتدائها المتكرر علي فندق سميراميس أو أعمال حرق اتحاد الكرة ونادي ضباط الشرطة.
< ومن المثير للدهشة عدم توجيه اتهام لأحد من الإخوان في حريق القاهرة في اطار التواطؤ المشين لقلم البوليس السياسي بقيادة اللواء إبراهيم إمام الذي لم يحرك ساكنا تجاه أحداث حريق القاهرة بل كان يرقبها شخصياً بالشارع دون اتخاذ موقف وقد اتهمه سراج الدين وزير الداخلية بوضوح في بيانه الشهير بخصوص الحادث وليس هذا التواطؤ تجاه الأحداث أو تجاه الإخوان بغريب في ظل زيارة حسن الهضيبي للملك في 16/1/1952 لتبريك بالمولود ولي العهد في حين كانت الجماهير تزأر بالخارج «ناريمان.. ناريمان

ابنك له سنان».... ولعل في هذا إلقاء للضوء علي الدور المريب لجماعة الإخوان منذ 52 حتي الآن في وأد الحزبية والانحراف بمسار الحشود والحركات الشعبية لحساب أهدافها وتحالفاتها مع كل القوي المناوئة لحركة ومطالب الناس نحو الحرية والعدالة والدولة المدنية.
< لم يكن الانجليز راغبين في استمرار حكومة الوفد بل كانوا يرون ضرورة قصوي للتخلص منها مع حرصهم علي بقاء الملكية أما الولايات المتحدة فقد كانت تعتبر نفسها الوريثة لتركة الأسد البريطاني العجوز والراغبة في اعادة بناء المنطقة طبقاً لمصالحها وقد بذرت بذرتها الأولي في المنطقة بقيام إسرائيل ولم تكن تشعر ارتياحاً تجاه بلورة الحزبية في مصر وهذا المد الشعبي الذي يحمل في طياته عدلاً اجتماعياً في الاقتسام والتمكين والسعي لنظام جديد يمتلك حريات عامة ومفاهيم واضحة للحقوق والواجبات والمواطنة وذلك في ظل داء قديم مصابة به أمريكا وهو الخوف من الشيوعية مما جعلها ساعية لاقامة نظام يتلاءم مع بسط نفوذها بطريقة مريحة فكان حريق القاهرة طريقهم إلي هذا ويقول فتحي رضوان اللصيق بنظام 23 يوليو في شهادته بكتاب حريق القاهرة (كان حريق القاهرة كعملية لهز كل الأوضاع والتمهيد عملياً  لنظام غير النظام القديم واكتمل المخطط الأمريكي بعد ذلك بشهور بطرد الملك فعلاً ومجيء نظام جمهوري ولا يعني هذا أن الضباط الأحرار كانوا أدوات للأمريكان ولكن الاتجاهين تلاقيا مع احتفاظ كل فريق بأغراضه) ويؤكد إبراهيم فرج في شهادته بنفس الكتاب (المصلحة الأولي للأمريكان وهي التي حدت بهم للتعاون مع المخابرات الانجليزية  فقد كانوا القوة الرئيسية المحركة للأحداث ولم تكن أمريكا راضية عن سياسات الوفد بزعامة النحاس ومارسوا ضغوطاً لأجل الحلف الرباعي ولأجل حرب كوريا ولكن النحاس رفض كل هذا).
لا شك ان حريق القاهرة كان عملاً مدبراً من المخابرات الأمريكية ساهمت فيه أيدي الفاشية بقصد أو دون قصد باتفاق أو بغير اتفاق ولم يهدف الحريق ازاحة الوفد وحكومته فحسب ولكن استهدف الدولة المدنية التي تشكلت طبقاً للفترة الاستثنائية الوحيدة في تاريخ مصر من 1919 إلي 1952 وكانت احدي نتائج ثورة 19 وحينما قاربت التجربة النجاح والتبلور والنهوض إلي نظام جديد عماده الحريات والحقوق والواجبات عصف حريق القاهرة بتلك الأشواق والمطالبات ليقذف الوطن في أتون الشمولية وحرصت أمريكا أن تبقي مصر أسيرة ذلك المخطط حتي عندما اندفعت الجموع الشعبية لتعيد صناعة الدولة المدنية انحاز الجانب الأمريكي لصالح الإخوان بصورة فاضحة في مواجهة المجلس العسكري السابق وتجاهلت اقامة الدولة الفاشية التي سعي الرئيس المعزول إلي اقامتها عبر اعلانه غير الدستوري فضلاً عن مجافاتها لروح الأمة في ثورتها ومطالبها في 30/6... لا شك أن القوي الحزبية والمدنية والثورية وقادتها مطالبون بصورة جادة بأن يتحملوا مهمتهم من أجل الوصول للدولة المدنية العادلة المتسامحة من أجل الخروج بوطننا من اثار جريمة حريق القاهرة التي أطاحت بأحلام الوطن والناس.