سرقة الأصوات أو قانون تقسيم الدوائر

م.حسين منصور

الأحد, 26 مايو 2013 22:10
بقلم: م. حسين منصور

أجريت أول انتخابات برلمانية طبقاً للتنظيم الواحد فى أعقاب انقلاب «52» فى صيف «57» وعقدت أولى جلساته فى 23/7/1957 وكان عدد أعضائه «330» عضواً عن

«320» دائرة وهو يكاد يكون مطابقاً لعدد الدوائر الانتخابية التى أجريت عليها آخر انتخابات حرة شهدتها مصر فى تاريخها الحديث.. انتخابات 1950 والتى جرت فى «319» دائرة وفيما يبدو أن تقسيم الدوائر لم يختلف فى انتخابات 1957 عن انتخابات 1950 بغض النظر عن مدى حرية ونزاهة القوانين والإجراءات المنظمة لعمليات الترشح  والانتخاب.
< وتقسيم دوائر 1950 هو نتيجة تراكمية لما نص عليه دستور «23» فى شأن تقسيم الدوائر الانتخابية حيث نصت المادة «84» على تحديد الدوائر بقانون يكفل مساواة الدوائر مع اعتبار الدائرة التى لا يتجاوز سكانها ستين ألفاً ولا يقل عن ثلاثين ألفاً... فكان تعديل الدوائر الانتخابية يتم كل دورتين باجتماع رؤساء أو محافظى المديريات والعمد والمشايخ ووزير الداخلية لإعادة تقسيم الدوائر طبقاً لزيادة السكان وتمدد المساحات الجغرافية مع مراعاة توافق المصالح الاجتماعية والاقتصادية.. وبالطبع كان الأمر لا يخلو من إضافة مركز أو قرية من دائرة لأخرى طبقاً للمصالح الانتخابية لمرشحين بأعينهم ولاسيما فى ظل حكومات الأقلية والانقلابات الدستورية وعليه فقد تزايد عدد الدوائر الانتخابية من «314» فى انتخابات 1924 إلى «319» فى انتخابات 1950.
< لم يعمر برلمان «57» طويلاً فقد استمر حتى فبراير 1958.. وكان البرلمان الذى أعقبه فى ربيع 1964 ودارت نقاشات طفيفة حول تقسيم الدوائر الانتخابية لم تحسم شيئاً الى أن أصدر عبدالناصر قراراً جمهورياً بقانون رقم «73» لعام 68 فى شأن تحديد الدوائر الانتخابية، وقد حدثت تعديلات طالت «65» دائرة وكان متوسط عدد السكان فى غالبية الدوائر من «120» ألفاً إلى «180» ألف نسمة.
< صدر دستور «71» وأجريت انتخابات جديدة طبقاً لنفس التقسيم السابق، وفى «76» طرأ

تقسيم جديد للدوائر وأصبحت «173» دائرة وهى نفسها التى تم إجراء انتخابات «1979 عليها وفى عام 1990 كان تقسيم الدوائر وفق قرار بقانون «206» لعام 90 وذكر مساعد وزير الداخلية فى حينه أن أسس التقسيم هى مراعاة التناسب العددى بين عد الناخبين فى كل الدوائر والتلاصق الجغرافى.. وعلى سبيل المثال تم زيادة دوائر الدقهلية إلى «17» دائرة لزيادة عدد المقيدين بجداول الانتخاب وفى القليوبية تم تخفيض عدد الدوائر الانتخابية الى «9» وظلت الغربية على ما هى عليه، هذا وقد أصبح عدد الدوائر الانتخابية «222» دائرة..
< يتضح مما سبق أن تقسيم الدوائر الانتخابية كان يتم بمعيار حسابى لأرقام المقيدين بجداول الانتخاب فضلاً عن اضافة شياخة أو مركز من دائرة لأخرى طبقاً لمطالبات أصحاب السطوة والنفوذ ولم يكن هناك أى حوار مجتمعى جاد حول تقسيم الدوائر بما يحقق مصلحة الشعب الذى هو جمهور الناخبين... ففى حين تقل المنوفية سكاناً ومساحة عن القليوبية.. تزداد عدد دوائر المنوفية عن القليوبية بدائرتين.. وفى حين ينخفض التعداد السكانى بسوهاج عن المنيا.. تزداد دوائر سوهاج عن المنيا بثلاث دوائر. وهكذا حدث بلا حرج عن العشوائية والمصلحة فى تقسيم الدوائر....!!
< جاءت ثورة «25يناير» وكان طبيعياً أن يدور حوار مجتمعى واسع عن تقسيم الدوائر بما يحقق نظاماً انتخابياً تمثيلياً ناجحاً وتقسيماً محققاً لدوائر متقاربة فى الكثافة السكانية المعبرة عن المقعد البرلمانى الواحد.. إضافة الى التجانس الجغرافى والمصلحة الاجتماعية المشتركة للدائرة الواحدة دون تشوهات واقتطاعات مصلحية لحساب فئة بعينها... والمقصود بالمصلحة تحقيق تكتل انتخابى فى منطقة بعينها مما
يكون له أثره فى الانحراف بنتيجة التصويت وتشويه التجانس المحلى والتاريخى للوحدة أو المنطقة الواحدة ذات المصالح والعلاقات الأهلية والاجتماعية المشتركة... والمدهش فى كل هذا هو تجاهل المجلس العسكرى والإخوان من خلفهم للمتطلبات العادية والطبيعية لشعب قام بثورة، ومن حقه تقرير مصيره وذلك عبر قانون انتخاب يفرزه حوار مجتمعى وعبر تقسيم دوائر عادل محققاً لتجانس الدوائر ذات المصالح الأهلية والاجتماعية الواحدة ولمزايا النظام الانتخابى بالقائمة للدوائر الكبيرة وفوائد النظام الانتخابى للدوائر الفردية الصغيرة..
< المجلس العسكرى ومن خلفه الإخوان نقلوا تقسيم دوائر «1990» الفردى وقسموه على اثنين وقدموا عدد دوائر فردية «126» أى جعلوا كل دائرتين فرديتين فى النظام السابق دائرة واحدة.... وصنعوا «58» دائرة للقائمة بمتوسط اربعة مقاعد...وهكذا ببساطة أفسدوا الفردى لزيادة رقعتها بما يستحيل على المرشح التأثير وأفسدوا القائمة لتصغيرها بما لا يحقق التوزيع المثالى لكل القوى السياسية... احتجت القوى السياسية،. فقرر القائمون على الأمر تحويل عدد الدوائر الفردية الى ثلثيها دون دراسة أو خلافه فأصبحت «83» دائرة والقائمة لتصبح «46» قائمة كوضع أفضل من سابقه... وأجريت على هذا انتخابات 2011.
<  وجاء الدكتور مرسى بمجلس الشورى ليجعله مجلساً تشريعياً على غير ما انتخب على أساسه فضلاً عن انتخابه بما لا يتجاوز «7٪» ممن لهم حق التصويت.. جاء به منصة اطلاق صواريخ لصالح الجماعة وفرض هيمنتها بالقانون وبغيره.. فيصدر المجلس تشريعاً جديداً لتقسيم الدوائر محتفظاً بالمشروع السابق السيئ مع اضافات أسوأ فيزيد عدد القوائم بالقاهرة ليضرب كتلة الرفض الموجهة للإخوان ويزيد على الدوائر الفردية بالمحافظات التى يضمن بها أغلبية لزيادة حصته، كما حدث بالجيزة... ولا يحقق القانون أى عدالة فى علاقة المقعد بعدد الناخبين، ففى حين يرتفع عدد الناخبين للمقعد بالقليوبية والاسكندرية الى«111» ألف ناخب ينخفض فى بنى سويف والفيوم وسوهاج الى «80» ألف ناخب... وبالطبع هذا الفارق هو يتم لصالح المحافظات التى يظن أن له بها أغلبية.. إن القانون العادل هو الذى يجعل معدل الناخبين للمقعد الواحد متجانساً متقارباً مما يطعن بالتالى على دستوريته.. إن معركة تقسيم الدوائر معركة مستقبل... مصر الثورة قامت لتحظى بما تحظى به الدول التى تحترم شعوبها بنظام انتخابى عادل وتقسيم دوائر منزهة عن الغرض يحقق الصالح العالم.. تلك معركة لن نتخلف ولن نتركها.. فمصر الثورة على الدرب سائرة....