رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

رحلة مطالبات وتطلعات حول الكرسي البطريركي

م.حسين منصور

الأحد, 04 نوفمبر 2012 23:00
بقلم: م.حسين منصور

رحلة طويلة تلك التي خاضتها الكنيسة المصرية في مسارها في اختيار بطاركتها.. وظلت دائماً تعبيراً عن ديمقراطية شعبية حال كونها لم تكن يوماً كنيسة للدولة وكان البطاركة يأتون دوماً طبقاً لخيار القبط أنفسهم أو أهل الطائفة عبر الآباء والكهنة والاراخنة.

< ما بين وفاة البطرك ديمتريوس وانتخاب كيرلس الخامس كانت مصر الحديثة تتخذ خطواتها الفعلية في بناء المؤسسات والهيئات المختلفة وفي هذه الفترة استطاع بطرس غالي أن ينال موافقة الخديو اسماعيل علي إنشاء المجلس الملي للاشراف علي الاوقاف القبطية والمدارس وغيرها من شئون القبط تخفيفاً عن أعباء الاساقفة والمطارنة وتقويماً لطريقة الانفاق... وقد كان كيرلس الخامس ورعا تقيا زاهداً وطنياً وقف مع الثورة العُرابية وكان ممن وقعوا قرار خلع توفيق ولم يؤيد مؤتمر الاقباط في 1911 وكان مؤازراً لثورة 19 وكان قوي الشكيمة شديد الاعتداد بمكانة كرسيه الجالس عليه فلم يعتد بمحاولات تقليص سلطات البطرك والمطارنة في الاشراف علي الاديرة والاوقاف واعتبر المجلس الملي منازعاً لسلطة الكنيسة فلم يدعه للانعقاد ودخل في ماراثون صراعي طويل من أجل تقليص وإحباط أعمال المجلس الملي ودفع ثمناً لذلك فكان أن صدر أمر الخديو بنفيه هو ووكيل البطريركية الانبا يؤانس... الاول بدير البراموس بوادي النطرون والثاني بدير الانبا بولا ودام نفيهما عاما وعم السخط القبط وطالبوا بعودة أبيهم.
< عاد البطرك الي كنيسته تحفه مظاهر الترحيب والتبجيل من أهل مصر... وقد كان لنسكه وورعه ومحافظته علي استقلال الكنيسة المصرية وفي مواجهة الكنيسة الاسقفية الانجليزية أكبر الاثر في تلك المحبة... عاد البابا أقوي مما كان وبالطبع استمر في عدائه ومماحكته مع المجلس الملي الي أن ذهب الي الرفيق الاعلي. طوي كيرلس الخامس في رحلته أكثر من نصف قرن من الزمان تغيرت فيها الدنيا والاحوال وهو القادم من عهد محمد علي سائراً علي سيرة أسلافه حافظاً تقاليدهم مضي ولم يخلف وراءه بناء تنظيمياً وقواعد مستقرة لتصريف الشئون وادارة الاوقاف أو طريقة انتخاب البطرك... وعليه فتعالت الاصوات المطالبة بالاصلاح لملاحقة روح العصر والتنظيمات... ومن المدهش أن تكون أصوات الاصلاح عالية علي الطرفين الاسلامي والمسيحي... فتعالت الاصوات لاصلاح الازهر مع دعوات الإمام محمد عبده وكان صوت الانبا مكاريوس مطران أسيوط عالياً في اطار الاصلاح لنظام الشمامسة والقساوسة والاديرة ورهبانها واصلاح مدارس اللاهوت ونظم ادارة الاوقاف وقدم للبطرك رسالة بالمطالب الاصلاحية في 1920 وكان من أنصار تيار الاصلاح.
< ومن المدهش أن تكون وفاة شيخ الازهر الإمام أبو الفضل الجيزاوي ووفاة البطرك كيرلس الخامس في شهري 7-8 من عام 1927 وأن يكون البرلمان قد أصدر قانون تعيين شيخ الازهر وقانون انتخاب المجلس الملي وجاء ذلك كله متزامناً مع وفاة زعيم الامة سعد زغلول في 23/8/1927... وهكذا كان الوطن كله في معركة الاصلاح والانتقال من طور الي طور... ولكن الحرس القديم بقيادة الانبا يؤانس وكيل البطريركية كان له رأي آخر فحشد المطارنة قوتهم المضاربة في المجمع المقدس ولقي هذا عناية الملك فؤاد... وبالطبع تداخلت الاحداث ما بين مجيء حكومة الوفد الائتلافية بزعامة النحاس ولم تستمر من الوقت ما يكفي لإصدار لائحة انتخاب البطرك وجاءت حكومة اليد الحديدية لمحمد محمود لتعطل الدستور واستطاع توفيق دوس القريب من الملك ومن الاتجاه المحافظ الكنسي أن يمرر لائحة انتخاب جعل بها جمعية الانتخاب من جميع المطارنة والاساقفة «24» وأعضاء المجلس الملي ونوابه «24» وأعيان الطائفة بالاسم وبصدور الأمر الملكي أصبح انتخاب الانبا يؤانس أمرا واقعاً..
ويقول حبيب المصري «إن الكنيسة القبطية سارت علي عدم انتخاب بطرك من المطارنة ولم تشذ عن هذا إلا في تولية يؤانس غفر الله له».. ويقول

راغب مفتاح وكان من مؤيدي الاصلاح إن الملك فؤاد كان يميل إلي يؤانس وأن ضغطاً حكوميا مورس تحقيقاً لرغبة الملك.. أما ابراهيم فرج فيقول إن الوفد لم يكن موافقاً علي تنصيب يؤانس وكان مظهر اعتراضه حول طريقة انتخابه انها كانت تعييناً وظهر في هذا الوقت شعار الكنيسة الديمقراطية.
< توفي الأنبا يؤانس في 1942 واجتمع المجمع المقدس والمجلس الملي واستقر رأيهم علي انتخاب الأنبا يوساب مطران جرجا قائم مقام وأصدرت حكومة الوفد لائحة الانتخاب التي اعدتها لجنة من المجمع والمجلس الملي برئاسة حبيب المصري اجتمع لها من الاحكام ما يوفق بين الاتجاهين المحافظ والاصلاحي.. فاشترطت في المرشح للبطريركية أن يكون راهباً متبتلا مصرياً مع ما توجبه التقاليد الكنيسة من شروط وذلك حتي تتفادي الخلافات حولها وتوسعت في جماعة الناخبين بشكل ديمقراطي واسع وحصرت الناخبين من رجال الدين في المطارنة والاساقفة ورؤساء الاديرة ووكلائها ووكلاء المطرانيات ووكلاء الشريعة بينما شملت الناخبين المدنيين في اعضاء المجلس الملي العام نوابه الحاليين والسابقين واعضاء المجالس الفرعية ورجال القضاء وموظفي الحكومة ممن تزيد رواتبهم علي  400 جنيه سنوياً والمهنيين ذوي الشهادات العليا وكل من يؤدي ضريبة لا تقل عن 100 جنيه سنوياً وأصحاب الصحف ومحرريها ورؤساء ووكلاء الجمعيات القبطية.. وبالطبع كان هذا توسعاً ديمقراطياً لصالح القاعدة الشعبية الناخبة.. وكان في مقدمة المرشحين من المطارنة مكاريوس ويوساب ومن الرهبان فرنسيس شنودة وظهرت ثلاثة اتجاهات للناخبين الاتجاه المحافظ من الحرس القديم وتوجه ليوساب والاتجاه الاصلاحي ولم تعد لديه مشكلة مع المطارنة وقد أيد مكاريوس حتي أن القمص سرجيوس وكان من مناهضي اختيار البطرك من المطارنة عدل عن ذلك تأييدا لمكاريوس أما الاتجاه الثالث فتمسك بوجوب العودة للتقليد القديم للترشح من غير المطارنة.. انتخب مكاريوس بأغلبية واضحة ولم يستمر طويلاً وجاءت وفاته بعد أقل من عامين من تجليسه فلم يستطع أن يجعل رؤاه الاصلاحية موضع التنفيذ..
< أصدر الأنبا يوساب تعهدا للدكتور المنياوي وكيل المجلس الملي بتسليم أوقاف الاديرة إلي المجلس الملي طبقاً لقانون 1927 وتم انتخاب الأنبا يوساب بطركاً ولكن عجلة الاصلاح لم تدب وحل الخلاف بين البطرك والمجلس الملي وساءت الاحوال كثيرا ولم يعد التذمر قاصراً علي دعاة الاصلاح خارج الكنيسة بل امتد إلي داخل المؤسسة نفسها.. وجاءت حركة الجيش في 1952 وتبدلت الدنيا وتعرض البطرك لمحاولة اختطاف ونشب خلاف قاس بين البطرك والمجمع المقدس وتوفي الانبا يوساب بعد عراك طويل ليكون خاتمه عهد أتي من قرن مضي ليخلفه علي منصب القائم مقام الأنبا اثناسيوس.
مطران بني سويف وهو آخر المطارنة الذي قام بترسيم البطرك كيرلس الخامس.. خرج إلي النور جيل مدارس الأحد وجيل المتعلمين تعليما عاليا ومارسوا مهنا مختلفة وانضموا لسلك الرهبنة وبالطبع جاءوا وهم يحملون معهم روحاً عصرية وفكرا وثقافة منفتحة تريد أن تنهض وأن تلاحق ما تراجعت عنه الكنيسة طويلاً وكان من الرهبان الذين تزكوا للترشح للبطريركية أنطونيوس السرياني والقمص متي المسكين وطرحت اسماء القسيس شنودة ومينا ومتياس وموس وكيرمس..
< صدر قرار جمهوري في نوفمبر 1957 بلائحة انتخاب جديدة تضمن كل مطالب المجمع المقدس إذ أكدت وجوب بلوغ المرشح سن
الاربعين وأجازت للمطارنة والاساقفة حق الترشح وضيقت القاعدة الناخبة تضيقاً بالغاً مما حديا بالمجلس المللي أن يرد عليها بمذكرة، أكد فيها أن لائحة 42 كانت أدق في كونها لم تشمل إلا الأحكام التنظيمية لإجراء الانتخاب وفقا لقواعد الديمقراطية وكان حجر الزاوية فيها تقرير حق الشعب في اختيار البطريرك، وذكرت أن جماعة الناخبين طبقا للائحة 42 كانت قد بلغت نحو سبعة آلاف ناخب في حين أن جماعة الناخبين طبقا لتلك اللائحة لا تتجاوز 300 ناخب كما عارضت شرط السن إذ كان اثناسيوس الرسولي بطريركاً وهو في الثلاثين من عمره..
صار جدل ونقاش ولكن اللائحة بقيت نافذة.. وأجريت الانتخابات وحصل علي أعلي الأصوات القمامسة دميان بولس المحروقي وإنجيليوس جيد ومينا المتوحد علي الترتيب وجاءت القرعة الهيكلية بمينا المتوحد الذي نصب باسم الأنبا كيرلس السادس.
< جاء الأنبا كيرلس السادس بورعه وتقواه وصلاته المستمرة ليواجه عالماً جديداً قد بدأ.. انقضت حقبة الديمقراطية الليبرالية ليبدأ حكم العسكر.. جاء تنظيم الضباط الأحرار خاليا من ضابط مسيحي.. بدأ نوع من التهميش للأقباط.. لم ينجح أحد في انتخابات مجلس الأمة.. لجأ رئيس الجمهورية لفكرة التعيين ورآها الأقباط نوعاً من المنح والإنعام.. لم يعين سفير قبطي واحد في الفترة 52-73 بينما كان هناك عدد كبير قبل 52.. ابتعاد الوظائف القيادية عن الأقباط.. واجه الأنبا كيرلس تلك المطالبات بالحكمة والهدوء والحرص علي الوحدة الوطنية وصلابة كنيسته واستمرارها.. توفي كيرلس السادس وقد ترك ابلغ الأثر في نفوس المصريين جميعا.. خلفه الأنبا انطونيوس قائمقام وثار جدل ونقاش حول قواعد اختيار البابا واتجه المجمع المقدس لاختيار 5 من المرشحين لوحظ انهم اساقفة وليس من بينهم رهبان.. احتج الانبا شنودة وأعلن رفضه لاتمام الانتخاب عملاً بمبدأ حق الشعب ان يختار راعيه، وجاءت احكام قضائية حول سلامة اختيار القائمقام، وجاء تعديل في اللائحة من مجلس الشعب.. اعيدت عملية الانتخاب وكانت القاعدة الناخبة  لا تتجاوز 580 ناخبا وأفرزت القرعة الهيكلية البابا شنودة.
< تصاعدت المطالبات في مواجهة التهميش وعلت الأصوات بخصوص الخط الهمايوني فكان البابا شنودة تعبيراً حقيقياً عن احتدام الاحتقان وكان تجسيداً طبيعيا لمرحلة صعود تيار الدين السياسي وقد بلغ الصدام ذروته مع القرار الجمهوري بخلعه وتحديد إقامته بوادي النطرون ليعيد التاريخ نفسه ويعود البابا شنودة. كما عاد كيرلس الخامس أقوي مما كان حاملاً معه حكمته وقدرته علي إدارة حوار يحفظ للوطن وحدته ولشعب كنيسته مطالبهم.. وبالطبع اهتزت مصر كلها علي وقع ثورة 25 يناير ولم تزل مصر بطور تشكلها وحلمها بمصر الجديدة الحرة المتسامحة في اطار صراع كل القوي والفاعليات التي صنعت وشاركت في تلك الثورة ولم يزل الحلم في لحظات التكون والتأثير والتأثر.. ذهب البابا شنودة بعد رحلة طويلة تجاوزت الأربعين عاماً في مشابهة فارقة لرحلة كيرلس الخامس وليخلفه الأنبا باخوميوس قائمقام في اعقاب اعتذار الأنبا ميخائيل اسقف أسيوط..
< يأتي الأنبا باخوميوس ليقود الكنيسة المصرية في اجواء متلاطمة ووطن في طور التشكل وصعود لجماعة الإخوان والتيارات السلفية.. وكنيسة كرهت السياسة والمرحلة الشمولية القمعية خلفت معالمها علي أركانها.. وقد تمددت الكنيسة المصرية داخليا وخارجيا وتشعبت المهام وتعددت المراكز البؤر.. تكونت شعبيات وتمركزت قوي وتمردت أجيال.. وتصاعدت رغبات الاندماج في المجتمع الأوسع وتكاثرت المآزق ما بين تلبية الاحتياجات والتطلعات القبطية، ومطالبات الإصلاح ومواجهات ترشح اساقفة الابراشيات وتواتر المخاوف في مواجهة اعتلاء الاسلام السياسي سدة الحكم وطبيعة المهام المطلوبة من البطريرك القادم.. كل هذه الهواجس ابحر فيها الأنبا باخوميوس وتحرك بهدوء وحكمة في مواجهة سيولة الأحداث والمتغيرات.. انتصر لوحدة الكنيسة في مواجهة الانقسام.. عبرت لجنة الترشيحات منطقة الألغام ولم نسمع تفجيراً واحداً.. كان الاختيار لأساقفة العموم والرهبان.. حفظ كرامة وقيمة المستبعدين ولم ينجر خلف مماطلة ولا عصبية مرذولة.. تمسك بوحدة الوطن وسلامة نسيج التضامن الوطني.. حفظ للوطن قيمته وللكنيسة قامتها.. اكتب مقالي هذا ولا أعلم من سوف تأتي به القرعة الهيكلية ولكن المصريين جميعاً مطمئنون للقادم فهم جميعا يحفظون للوطن وحدته وللكنيسة كرامتها ولشعب الكنيسة مطالباته وتطلعاته.. وهم جميعا مؤمنون بالعيش المشترك ورسالة الكنيسة الروحية.. وقد وقعوا جميعاً علي تعهد تعديل لائحة الانتخابات!.
تحية للجنة الترشيحات البابوية وتحية لأبناء الكنيسة المستبعدين من لجنة الترشيحات الذين حفظوا للكنيسة وحدتها وقيمها وتحية حقيقية للأنبا باخوميوس الذي قاد السفينة بحكمة واقتدار وسط اعاصير وعواصف في محبة واخلاص عبرت عن قيمة المصري ومخزون القيم الكبير والرائع وجعلتنا جميعا ننظر للمستقبل بأمل وثقة.. عاشت مصر حرة مستقلة متحضرة ودام العيش المشترك وعاشت وحدة ابناء الوطن الواحد وعاش الهلال مع الصليب.